|
رسالة الكلمة : العمل الإسلامي بين التنظيم الجامع والمشروع الواحد
كتبه محمد بولوز-  : توجه جملة من الانتقادات للتنظيمات الإسلامية باعتبارها في نظر بعض المفكرين أصبحت عائقا أمام المشروع الإسلامي، لإرث بعضها الثقيل مع الأنظمة الحاكمة والذي غلب عليه التوجس والصراع، أو لبطء الإصلاحات داخل بعض كياناتها، وصعوبة تشبيب قياداتها، وكذا ضعف الشورى داخل بعضها الآخر، فضلا عن انفراد معظم التنظيمات ببعض نخبها من الشباب المتعلم، فلا هي أحسنت استثمار طاقاتهم في الوجهة الصحيحة، ولا هي أطلقت سراحهم لتستفيد الأمة منهم بشكل أكثر إبداعا وفعالية، حتى وصف أحدهم هذه الجماعات بالإسفنجة التي تمتص الطاقات ثم تجمدها بعد ذلك. كما يؤخذ على هذه التنظيمات أنها لم تستطع في غالب الأحوال تعبئة مختلف الطاقات التي تزخر بها الأمة في مشروع الإصلاح، حيث تظهر عزلتها جلية وخصوصا عند الأزمات، ولم تفلح بعد في جعل همومها وقضاياها، هموما وقضايا لعموم الأمة. كما ثبت عجزها عن حمل كل هموم الأمة، فما إن تركز أكثر على زاوية رغم إيمانها بالشمولية، حتى تكتشف بقاء ثغرات هائلة بلا ملء أو عمل. داخل صفوفها أو خارجها على السواء. ثم إنها في الغالب تعجز عن استيعاب من يكبر عن الطوق ويبزغ نجمه، لمحدودية الحرية داخلها ولضيق الكثير من قياداتها بالنقد والتجديد، أو لضعف تقدير الكفاءات، لغلبة معايير أخرى في التقدير والاعتبار كالأقدمية والمبالغة في المطاوعة، فيجد "المشاكسون" أنفسهم خارج صفوفها.. لست ملزما بالرد على هذه الاعتراضات والانتقادات وغيرها كثير، لأن بعضها يبقى صحيحا على الأقل في عدد من التنظيمات القائمة، كما أن أي عمل بشري معرض للنقص والآفات، والعيب في تغييب التصحيح والمراجعة وحسن الإنصات، وفقدان القدرة على إعادة النظر في المألوف متى ظهر عواره وفساده. كما أنني لن أناقش هنا ما يحدث على مستوى بعض الأفراد المنسحبين من التنظيمات، من الالتفات إلى نوازع باطنية في النفس البشرية، مثل الأنانية واستبداد الفرد برأيه وقراره عندما تسير الحركة والجماعة في الوجهة التي تخالف وجهته, والتلذذ "المؤقت" ببعض المكانة التي يجدها عند بعض الجهات والأوساط، والتي لا تكون له بنفس القدر في تنظيمه الذي غادره.وما يكون أحيانا من الرغبة في التفلت من الالتزام المادي والمعنوي الذي يفرضه التنظيم، والتخلص من التنازل عن بعض الحرية الفردية لصالح الجماعة أو الصالح العام، وعدم الصبر على اختلاف الطباع وعموم ما يدخل في كدر الجماعة، أو حتى مجرد الخلود إلى "قسط من الراحة" من أتعاب التنظيم، والنظر قليلا أو كثيرا في ما أهمل من شؤونه الخاصة. ما يهم أكثر في هذا المجال، هو النظر في ردات الفعل غير المتوازنة التي يذهب بعضها إلى حد المناداة بحل هذه التنظيمات، ويبقى البديل يلفه الغموض مثل طرح فكرة التيار وغيرها من الأفكار أو الإحالة على بعض التجارب القطرية المحدودة التي يصعب الحكم السريع على نتائجها وأبعادها. والحال أن التنظيم كما يقول عصام العريان" فكرة فطرية وغريزية، بل هي من الواجبات الدينية والوطنية لقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).." وليس من المنطقي أن يعمل كل فرد في اتجاه منفرد ومختلف، إذ لا بد كما يشير أحد قياديي الإخوان من التنظيم الذي" يحدد البوصلة والأصول حتى لا يتم فقدان الحركة والمنهج". كما هو مهم أن يعلم الإخوان وغيرهم أن زمن التنظيمات الجامعة المانعة، قد ولى زمانها أمام تشعب الأعمال والتخصصات، وكثرة واجهات الفعل والتأثير، وأن مركزية التسيير لمختلف مناشط العمل الإسلامي مما يصعب فعله أو ادعاؤه إن لم يكن من المستحيلات، وأنه أيضا لا يجدي دفع قيادات صورية إلى الواجهة في عدد من التخصصات، والإبقاء على غرفة عمليات سرية أو شبه ذلك تتحكم في خيوط الممثلين على المسرح. يبدو أن المستقبل لتنظيمات من نوع جديد، تتمتع باستقلال كامل أو ما يشبهه، يجمعها مشروع واحد، وبينها جميعا ميثاق وشراكة، فيتجه كل تخصص لخدمة المشروع بالشكل الذي يناسبه. ويبقى الإشكال هذه المرة، في الخوف من الانفلات وضياع البوصلة، وغرق كل تخصص في بحر خصوصياته، وما قد ينجم من تعارض وتنازع في الطاقات وساحات الفعل والمستهدفين، وما قد يكون لهذا التخصص شرطا في النجاح قد يكون لغيره حرجا أو عائقا من تحقيق أهدافه. كما أن هذه التخصصات معرضة لفقدان صبغتها الأولى التي صبغها بها المؤسسون الأوائل الذين شربوا بما فيه الكفاية من لبن التنظيم الأم، ثم انفتحوا على الطاقات المهتمة في المجتمع بذلك التخصص. وسيصبح لبعض تلك التخصصات تفاعل أكبر ومكانة وعلاقات وامتيازات جديدة لا تتوفر للأم الحاضنة الساهرة على تفعيل وتذكير جميع أبنائها بالتربية والدعوة والتكوين. إنها تحديات جديدة تفرض انتقال النقاش عند قيادات العمل الإسلامي من مناقشة أحوال التنظيم الجامع ومدى انضباط أفراده وفروعه ووظائفه، إلى التداول في أمر المشروع الواحد، وكيف تكون الشراكة، وكيف يتحقق التوازن والتكامل، وما هي نوع الخيوط الرابطة، والتوفيق بين الاستقلال الكامل والوفاء لخدمة المشروع الواحد، وهل يكون عندنا رأس واحد، أو جملة رؤوس، أو مجلس أمناء، أو هيئة شورية متوازنة بين مختلف التخصصات تنعقد مرة في العام، ثم يتجه كل إلى عمله وتنفيذ زاوية المشروع التي تعنيه. لقد كان موضوع وحدة المسلمين رغم إيماننا بذلك، وإلى عهد قريب، ضبابيا في الأذهان. إذ كيف يجمع شتات هذه الملايين من طنجة إلى جكرتا في دولة واحدة، غير أن تجارب البشرية من حولنا وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، قرب الحلم و أمكن تخيل ولايات متحدة إسلامية تتمتع كل ولاية باستقلالها ونظامها، ولها شيء مشترك يجمعها. وأقرب من هذا الحلم الكبير، أن نحلم برابطة المشروع الإسلامي الواعد، يتناغم فيها السياسي والدعوي والتربوي والاجتماعي والعلمي والاقتصادي والثقافي وربما الرسمي والشعبي أيضا أو حتى القطري والعالمي.يعمل الجميع بقول ربهم"واعتصموا بحبل الله جميعا" ويحذرون تنبيهه عز وجل"ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين" نشر على الوسط التونسية بتاريخ 23 أبريل 2007-6 ربيع الثاني 1428 ه
|
|
|
|