|
تونس وخيارات المستقبل : هل تأسر المعارضة نفسها لمشهد التسعينات !؟
 | مرسل الكسيبي*- الوسط التونسية + ميدل ايست أون لاين+ شبكة محيط +وطن/USA أناهايم + الحقائق /لندن: بين الفينة والأخرى تطل علينا كتابات توصيفية وتاريخانية مازالت تعيش على لحظة الرواية لبعض تفاصيل المشهد السياسي والحقوقي في تونس مطلع التسعينات ,في محاولة منها لاقناع تيار عريض من المناضلين الوطنيين بأهمية شدهم كأسرى لالام تلك المرحلة العصيبة من تاريخ تونس الحديث , وهو مايبدو في تقديرنا المتواضع رؤية ماضوية صادقة مازالت تأسر قطاعا من المعارضين الى عدم الفعل والمبادرة خارج الاطار التقليدي الجامد للعمل المعارض . قد يساعد هؤلاء تعثر المشهد الحقوقي العام في ظل وتيرة متواصلة لمحاكمات ذات طابع امني وسياسي في قضايا التيار السلفي أو مضايقات مستمرة يتعرض لها بعض الطيف المعارض في الساحة الطلابية أو على مستوى الأحزاب السياسية , غير أن انشداد الطبقة السياسية في عمومها وبالأخص التيار الاسلامي منها الى "الاستمتاع" بالحديث عن أخبار التعذيب والاعتقالات والمحاكمات والانتهاكات سوف لن يساهم في حقيقة الأمر الا في عزوف المواطنين عن الشأن العام ثم الى هروب شبابي جماعي كبير نحو تيارات العنف والغلو كمساهمة منها في التفاعل مع نمط مهيمن من الخطاب الاعلامي والسياسي .
المؤسف عند التأمل في حقيقة الخطاب السياسي التونسي على مستوى المعارضة الاحتجاجية أن كثيرا من التيارات باتت تبني رصيدها من الشرعية الوطنية على حجم ماتعرضت له من الام واكراهات أو على حجم العقوبة السجنية أو على طول سنوات المنفي وعلى مدى القرب من سقف عال من الراديكالية في رفض النظام السياسي القائم : "لايصلح ولايصلح " ...
تجمد الفعل الوطني المعارض ولاسيما في المدرسة الاسلامية حول موضوعات ذات صبغة حقوقية مباشرة دون أن ترتقي الرؤية الوطنية الى مستوى البحث عن حلول سياسية ابداعية ذكية تخرجنا من ورطة موضوع المساجين السياسيين وقضايا الحريات الأساسية .
ثلاثة أرباع الاسلاميين أو أربعة أخماسهم لايتحدثون على مستوى الكتابات والتحليلات والتصريحات الا عن مؤشرات وقطعيات ومواصفات المحنة التي عايشها حزب النهضة , أو في أحسن الحالات عن ديكتاتورية السلطة ومظاهر الانحراف في نظامنا السياسي أو عن زيد أو علان الذي يتلذذ الجميع بتحميله المسؤولية المباشرة عن كل صغيرة أو كبيرة تقع في البلاد ...
حالة جمود ذهني وسياسي يؤسس لها زعماء بارزون في مختلف التيارات السياسية , والاسلاميون للأسف الشديد هم ضحية تصريحات الزعماء وقيادة المشائخ الذين لايخطؤون أبدا في مساراتهم أو خياراتهم , ومن ثمة فان كل كبيرة وصغيرة تقع في البلد هي نتاج سياسة ظالمة وجائرة لدى الاخر المغاير وطبعا نقصد بذلك السلطة وماأدراك مالسلطة ! ...
السلطة في نظرنا المتواضع لها أخطاء كثيرة ولاأحد يستطيع أن يبرئها دوليا أو عربيا أو اقليميا أو تونسيا من المسؤولية تجاه موضوعات حقوقية مباشرة أو موضوعات سياسية تتطلب المعالجة خارج دائرة الحل الأمني , ولكن بالمقابل فان الخطاب المعارض لابد أن يشهد عربيا وتونسيا رؤيوية جديدة تستند الى استيعاب تطورات هادئة وأخرى متسارعة على الساحة الوطنية ومحيطها الاقليمي والدولي .
يعني هذا ببساطة أن المعارضة التي تستند الى الكليشيات وتقف عند اللحظة التاريخية حقوقيا أو سياسيا هي أشبه مايكون بالعرب أيام الجاهلية حين أقاموا حربا من اجل ناقة مدة أربعين سنة !!!
لايشك أحد بأن جرح التسعينات كان غائرا على الصعيد الوطني , ولكن بالمقابل لايمكن أن نبقى نتحدث والى يوم الدين عما فعل السجان بالنهضويين أو عما فعلت عناصر متعاطفة مع النهضة بلجنة التنسيق باب سويقة ...
خطابان نسفيان لايتركان مجالا لتونس الغد والمستقبل , ومن خلالهما ستستمر الأزمة في بعدها السياسي وطنيا ,وسيعزف الجمهور بحكمهما عن الانخراط في الفضاء الحزبي مهما كانت أهمية الشأن العام , ومن خلالهما ستصنع المعارضة من حيث لاتشعر جيلا كافرا بالعمل السلمي والمدني في مقابل ارتماء أجيال جديدة في قوارب الموت والانحراف السلوكي أو التطرف الفكري والديني ..., وهو مايضعف أيضا السلطة ويجعلها في مهب المفاجات داخليا ودوليا بحكم تعريض أمن المجتمع واستقراره النفسي الى موجات من التسرب العنفي والكفران الاجتماعي ...
مخاطر حقيقية لن يقع درؤها الا باعادة الاعتبار لاليات التنافس الفكري والسياسي على أساس سلمي ومدني مشروع , وهو مايعني أن تطوير الخطاب السياسي على مستوى السلطة والمعارضة يعد مقدمة ضرورية وشرطا لاغنى عنه في مستقبل أفضل لبلدنا العزيز ولعموم بلاد الهلال الخصيب .
الخطاب الاعلامي الخشبي والخطاب السياسي الخشبي أو اعلام الأبيض والأسود وسياسية ياأبيض ياأسود سوف لن يفرزا الا ممارسة سياسية لاتقل خطورة عن شحن الناس بالديماغوجيا والايديولوجيا في حقبة الستينات والسبعينات حين طبعت المنطقة العربية سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة لتذهب بذلك جهود التنمية والبناء والاعمار والتحديث أدراج الرياح ...
تونس اليوم وبوضوح تحتاج الى خطاب سياسي ذكي ومرن ومتوازن يخدم مصلحة الوطن والمواطن والى خطاب اعلامي بعيد عن اعادة انتاج رواية الأزمة والتاريخ برغم ماتشكله هذه الرواية من أهمية في تاريخ الأمم والشعوب ..., ومن ثمة فان التفكير لابد أن يتجه الى منصة الابداع الذي خطه المغاربة يوم أن طووا الى غير رجعة أزمة الجنرال أوفقير وانعكاساتها على الحريات وحقوق الانسان والى منصة جنوب افريقيا حين خرج مانديلا من سجنه ليتحدث عن المستقبل في كنف المساواة بين البيض والسود دون أن يظل مشدودا ل 28 سنة قضاها كاملة وراء قضبان لم تحل بينه وبين طموح أكبر في الاصلاح والبناء والحياة السوية لجيل أعيته مرارة "الأبرتايد" .
كتبه مرسل الكسيبي بتاريخ 4 فبراير 2008 للتفاعل مع الكاتب : reporteur2005@yahoo.de الهاتف : 00491785466311 *كاتب واعلامي تونسي
|
|
|
|