بسم الله الرحمان الرحيم تونس-فاضل البلدي-الوسط التونسية:كلما اعترضني أو لقيني احد من الإخوان أو الاصدقاء أو الرفاق قال لي أو تطمع حقا ان سيتجيب لك احد أو تبلغ قصدك في المصالحة أو يجيبك الى الحوار رأس السلطة أو بعض من ركائز نظامه فاجيب بكل ثقة و حماس بلا وسيأتيك بالاخبار من لم تزود فيستغرب البعض ويحتار آخرون و حتى ليذهب الاستغراب والحيرة بهم كل مذهب أقول :
1) إذا كنت إنا مؤمنا بالمصالحة ومقتنعا بإمكانيتها وجدواها فما يضيرني إن انا أعدت وألححت وركبت الصعب من اجل ذلك وتحملت شيئا من الصد اوعدم الاكتراث أو ربما بعض الإهمال من جانب السلطة . وانأ اعلم يقينا إن النظام بأشخاصه ومؤسساته في موقع القوي والقوي لا يحتاج إلى الحوار ولا المصالحة في عقيدة المكابرين بقدر مايريد الاستجداء والاستعطاف والرجاء .
2) إذا كان الكارهون للمصالحة كثيرين بالأمس واليوم دعاء المصالحة مؤمننين بها قادرين على تعبئة الرأي العام بها مثابرين على الدعوة إليها كلما توسع عدد المقتنعين بها داخل مؤسسات النظام وأشخاصه . ولم نسمع إن نظاما استمر الدهر كله مكابرا معاندا صاما الأذان عن النصيحة والدعوة الحسنة بل لا بد له إن يضغي إلى شعبه وأحزابه ونخبه وان يستجيب لتطلعاتهم وهمومهم وإذا تعلل في مرحلة بالمحافظة على الأمن وتصدي بالقوة للمعارضين فانه بعد ذلك يسعفو ويصفح ويرفع المظالم ويستمع للرأي الاخر ويقبل بالمشاركة .
3) البلاة مقبلة على محطات هامة فهذا مؤتمر لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين – وذلك مؤتمر للتجمع الدستوري الديمقراطي وهو الحزب الحاكم . وتلك انتخابات تشريعية ورئاسية – وهذه المحطات ذات أهمية بالغة لأنها تأتي بعد عشرين سنة من التغيير . وهذا التغيير بشر بمبادئ سامية تفاعل معها التونسيون جميعا بكل ايجابية . وانخرطوا فيها بدون تحفظ لا من يمين ولا من يسار . وهناك دعوات لتقييم هذه العشرينية بكل شفافية ومصداقية وموضوعية وإذا كانت السلطة تدعي وفاء تاما لتلك المبادئ وعدم تقصير في انجازها فهناك أصوات كثيرة تدعي نكوصا عليها وإفراغا لها من محتواها وتراجعا مطردا عنها . واخطر من ذلك عدم إدراك ولا مراعاة لما أصبح عليه المجتمع التونسي من تطور بعد خمسين سنة من الاستقلال وعشرين سنة من التغير . ولا يعني الإدراك أو المراعاة كلاما فضفاضا ولا وعودا فارغة أو اتهامات باطلة ولكن سلوكا جديدا وإجراءات عملية قوامها استيعاب جيد للنقد البناء وتشريك حقيقي لكل الطاقات على اختلاف مشاربها ووجهات نظرها ما دامت وطنية وحريصة على النهوض به وخدمته وسير عملي إلى الإعلام الحر والتنظيم الحر والتداول المسؤول . واستعداد للتواضع مع الجميع أي الاتفاق على ميثاق وطني جديد يؤسس للمرحلة الجديدة.
وانأ لا اطلب مستحيلا ولا أعيش خيالا ولكني أتحدث عن المتاح والممكن كما إني اختلف مع كثيرين في توظيف الواقع خاصة فيما يتعلق بالسلطة فإذا كنت ابتداء لا أزكيها ولا أزكيها ولا أنزهها فاني كذلك لا احملها المسؤولية وحدها أو كاها فيما أصاب البلاد من انتكاسة على مستوى الديمقراطية والحريات أو ما لحق المجتمع من ضر في مستوى القيم والأخلاق أو ما اعتراها من تقهقر على مستوى التعليم والثقافة . وذلك بسبب الاستقالة العامة التي تطبع سلوك الناس خاصة النخب وبسبب اضمحلال النضالية والالتزام السياسي وانخراط الجميع في نمط الاستهلاك (المسكن – السيارة – رغد العيش ) والتوسل إلى ذلك بكل وسيلة بقطع النظر عن نظافتها – وسيادة فكرة " إنا ثم إنا قبل الجميع ودون الآخرين " وبسبب قصور وسائل تلك النخب واضطراب مناهجها وعدم قدرتها على العمل المشترك واستثمار ما يتيحه الواقع من فرص وبسبب انحسار حضورها وتأثيرها في الناس لقصور فيها وعجز . لذلك كانت السلطة دائما هي الفاعل الوحيد والمبادر الوحيد بأمنها وحزبها ومؤسساتها .
1) والى إن تنقلب المعادلة وترتفع المعارضة بيمينها ووسطها ويسارها إلى المستوى المطلوب وتغدو قادرة على الفعل الايجابي والبناء أراني مدعور إلى طلب الحوار من السلطة بأشخاصها ومؤسساتها داعيا إياها لان تكون صاحبة المبادرة في إشاعة مناخ المصالحة والحوار وتطوير الحياة السياسية بما يتلاءم مع واقع البلاد الجديد .
2) لان تنهض بمسؤوليتها كاملة في الإصلاح والتغيير وتحقيق التنمية المرجوة وتوفير شروط العطاء والإبداع .
3) لان تنفتح على أحزابها ونخبها وشبابها فتشركهم في التفكير والتخطيط والعمل دون مكابرة ولا استعلاء ولا تحقير ومن غير إقصاء لان الوطن للجميع والكل معني بنهوضه ورفع التحديات المطروحة علية ولم يعد بوسع السلطة وحدها إن تحل المشكلات .
4) لان يتسع صدرها للرأي المخالف مادام القصد سليما والوسيلة نظيفة والحديث واقعيا وما دمت أتحدث عن المتاح والممكن والمطلوب – فاني اراى شروطا لابد من تحققها وهي :
1) إفراغ السجون من كل المساجين السياسيين – و لا مشاحة في المصطلح – وفي مقدمة هؤلاء :
- بقية مساجين حركة النهضة
- الشباب المحاكم بقانون الإرهاب
- مساجين حزب التحرير
- مساجين أحداث المتلوي والرديف وقفصة
ويطوى بذلك ملف مساجين الرأي نهائيا فلا يبقى لأحد مجال للمزايدة وتكون تلك خطوة جريئة لتنقية المناخ السياسي وتهيئة البلاد للمحطات التي ذكرت .
2) إدماج المساجين المسرحين عبر السنوات الماضية في الحياة العامة من حيث الشغل والصحة الجسدية والنفسية والمشاركة الثقافية و السياسية طيا لصفحة الماضي وتطييبا للنفوس واستبعادا لمشاعر الحقد والثأر وإشاعة لقيم التراحم والتعاون والتواصل .
3) فتح حوار فكري وثقافي وديني مع أولائك الشباب مستعينا في ذلك بأهل الخبرة من العلماء والمفكرين والباحثين والأطباء – إصلاحا لهم بمنطق الحدب والرعاية واستبعادا لمنطق العقاب والتشفي في شانهم فهم أولادنا وفلذات أكبادنا . ولأب أو السلطان يؤدب ولده ويربيه ويوجهه دون إن يقسو عليه فيحوله إلى عذر .
4) إفساح المجال للمشاركة الثقافية والسياسية للجميع حتى لا يشعر احد بأنه مقصى أو غير معني بالهموم العامة . والضابط في ذلك هو المصلحة العيا للوطن والقانون .
5) فتح باب العودة لكل المغتربين لتزول كل أسباب التأويل أو التوظيف أو الاستغلال .
6) ويحسن فوق كل هذا إن يفتح باب الحوار الوطني لتوضع شروط النجاح للمرحلة الجديدة والمحطات المقبلة وفي ظني إن الوطن محتاج لنفس جرأة وشجاعة التغيير قبل عشرين سنة وهو قادر على ذلك ولعل أفضل طريق لذلك هو حسن الطلب من جانب المعارضة و حسن الإصغاء والاستجابة من جانب السلطة وهو ما سأحاول تفصيل القول فيه في حديث قادم إن شاء الله .
والله من وراء القصد
فاضل البلدي
24 جويلية 2008 المصدر : صحيفة الوسط التونسية بتاريخ 27 جويلية 2008