اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
د.خالد شوكات* : بيان مشكوك في أمره

د.خالد شوكات*--الوسط التونسية: 
أقدر تردد الصديق الأستاذ مرسل الكسيبي في نشر بيان الجماعة التي تبنت المواجهة المسلحة مع قوات الأمن والجيش في تونس خلال الفترة الماضية، فالأمر حسب ما يمكن أن يوحي به جلل وخطير، و يحمل في طياته -إن صح- تقليد فاسد لم تعتد عليه الحياة التونسية، حماها الله وأبعد عنها شرور أصحاب الفتن وعطشى الدم.
غير أنني أميل إلى أن هذا البيان مزعوم وكاذب، وأنه لا علاقة له بالطرف الذي جرت معه المواجهة، والأقرب أنه محاولة توظيف مفضوحة لتحقيق الجهة التي تقف وراءه لجملة من الأهداف السياسية، مستغلة ظرف البلاد الحساس والحاسم، الذي يقتضي إعلاء للمصلحة الوطنية، والابتعاد عن كل شماتة أو مزايدة، فما عاشته تونس حصل خلال السنوات الأخيرة في أكثر البلدان رسوخا في الديمقراطية وأمنا واستقرارا.
و قد بنيت موقفي المشكك هذا على الملاحظات التالية:
1- بالعودة إلى بنية نص البيان وأسلوبه، وبمقارنته مع بيانات تنظيم القاعدة والتنظيمات المرتبطة بها، وعاداتها الدعائية والإعلانية، يلاحظ القارئ اختلافا كبيرا، يشجع على استبعاد أن يكون التنظيم الموقع تابعا للقاعدة، أو هو موجود من الأصل.
2- يأتي إرسال البيان للنشر أياما بعد وقوع الاشتباكات مثيرا للريبة، وليس من عادات القاعدة أو تنظيماتها، التي غالبا ما لا تبطئ في مثل هذه الأمور.
3- لا يمكن للمرء إلا أن يستغرب أن تخص "الوسط التونسية"، أو على الأقل أن تختار كجهة أولى لنشر البيان، وليس قناة الجزيرة على سبيل المثال، التي تخصصت في نشر بيانات القاعدة والتنظيمات التابعة لها طيلة الأعوام السابقة. و التقدير هنا، أن المرسلين يدركون مثلا أن إرسال البيان إلى مواقع تونسية أخرى قريبة من الحركة الإسلامية، لربما شكل إحراجا ومزيدا من توريط هذه الحركة بتهم لطالما عملت على نفيها عن نفسها.
4- على الرغم من ورود بعض العبارات التي تشير إلى "الذبح" و"القتل" ...إلخ، وخصوصا "الضحوك القتّال (تصوروا تمجيد الرسول الكريم (ص) بأنه قتال)، إلا أن لغة البيان بدت أقرب إلى ما هو متداول لدى جماعات إسلامية أقل تشددا، لا مانع لديها في قبول "الفولارة التونسية" و"السفساري" زيا شرعيا، على غرار الحجاب تماما.
5- إن التذرع بتعرض السلطات التونسية للحجاب، لتبرير اللجوء إلى العنف المسلح، مستغرب أيضا، فالذريعة لا تبدو واردة في خطاب جماعات السلفية الجهادية، التي عادة ما تركز على أولويات أخرى، ثم إن مرسوم حظر ما يسمى ب"الزي الطائفي" معمول به منذ سنة 1981، وبالتالي فقد مر على الأمر ما يزيد عن ربع قرن، فلماذا قرر شباب التوحيد والجهاد بتونس اليوم فقط التحرك لنصرة المحجبات.
6- ثم لا بد من لفت الانتباه إلى خصوصية لغوية حركية إسلامية تونسية تفضل استعمال حرف الجر "ب" في نسبة الجماعة إلى بلدها، وليس "في" كما هو التقليد في خطابات القاعدة وتنظيماتها، وهو ما يرجح أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة توظيف وابتزاز لا أكثر.
7 – وفي الختام، فإن محاولة كتبة البيان طمأنة "عوام تونس" إنما يزيد من دواعي الشك والريبة، إذ لم يعتد السلفيون الجهاديون على هذا الدأب من قبل، في سائر غاراتهم وغزواتهم في الجزائر والعراق وأفغانستان وكل مكان، حيث كان هؤلاء العوام هم وقودها وضحاياها في المقام الأول، وليس الطاغوت وأعوانه كما يزعم البيان.
والله أعلم.

نشر على الوسط التونسية بتاريخ 7 جانفي 2007
Designed by NOURAS
Managed by Wesima