|
معـارض عادي في عطلة عـادية !
الوسط التونسية-د. خــالد الطــراولي: ktraouli@yahoo.fr رأيته في السوق، يقضي شؤونه، كانت بشرته قد تغيرت، أصبحت محمرة تقترب من شقائق النعمان، رغم أنه لم يغب عن ناظري سوى شهور معدودة...اقتربت منه وسلمت، نظر إليّ وكأني فاجأته، رد السلام وحدّق في وجهي، أحسست باضطراب في ملامحه لم أفقهه، وكأنه لم يرد لقائي... قلت: كيف حالكم وحال الأهل الكرام؟ قال: "بخير..،" كانت ذبذبات الصوت تعلن ارتجاجا لم أفهمه... قلت: "كيف حال البلاد؟" قال: "أوَ سمعت؟" قلت: "وهل كان مخفيا، هل سعيت إلى التستر عليه، هل أنت سارق أو منبوذ؟.." أسرع بالإجابة وكأنه ينفي تهمة ألصقت به.. "لا لا أبدأ!!!..." أسرعت لإنقاذه وقد أحسست بإحراجه دون إضمار ذلك، وأعدت السؤال بابتسامة تطمين وأخوة صادقة : "كيف حال البلاد؟" أشرق وجهه وقال : "بخير... لقد كانت عطلة طيبة... صدقني لم يكلمني أحد ولم يزعجني أحد...أعوان القمارق ردوا عليّ التحية والله، والبوليس ابتسم لي...تنقلت من شاطئ إلى شاطئ... ومن مدينة إلى مدينة... من مقهى إلى مقهى، ومن عرس إلى عرس... ملأت عيناي وأذناي وكل وجداني بصور البلد وحديث الناس لأشبع ذلك الحنين الذي فقدته على أكثر من عقدين.." ثم صمت وكأنه ينتظر مني تعقيبا.. ثم واصل...."ملأت ناظري من والديّ، من أقاربي، من أترابي، من حجارة المنزل، من إسفلت الطرقات، من تربة الحقول ومياه الأودية... كانت عطلة رائعة، ألا ترى أثر الشمس على بشرتي، لقد كدت أبيت تمرغا في الشواطئ ورمالها الذهبية، وحتى لا أزعج أحدا فقد قضيت أغلب ليالي في نزل بالمدينة...صدقني لقد أشبعت شرهي من لحم العلوش البلدي الذي افتقدت طعمه سنين...زرت السوق واشتريت ما لذ وطاب وخاصة السمك، ما أحلاه مشويا على "الكانون"... لن تستطيع تصور مذاقه... ولن أحدثك عن الفواكه قد نسيت طعمها بعدما تعودت بالفواكه التي لا ترى الشمس، وقد اخذت نصيبي منها بكل شره..." استرجع أنفاسه قليلا ثم واصل فرحا مسرورا..."خرجت إلى الشارع وسقت سيارتي التي أعجبت الكثير، ولم يوقفني البوليس مرة واحدة، دخلت المطعم ولم يمنعني أحد، جلست في المقهى ولم يعترض عليّ أحد،..تصور صليت مرة الفجر في المسجد ولم يتعرّض لي أحد!! تجولت في الأسواق ولم يتبعني أحد، ذهبت إلى الملعب وصفقت لناديَّ المفضل ولم يغضب عليّ أحد... قرأت الصحيفة اليومية وأركاني المفضلة: صدى المحاكم وشؤون الرياضة، ولم يمنعني أحد أو يسألني عن ماذا تقرأ أو لماذا تقرأ؟ لقد أصبحت إنسانا عاديا والحمد لله... إن حظرت لا أُرى، وإن غبت لا أُفتقد..." ثم استدرك... "لماذا لا تتكلم؟... قل شيئا..." ابتسمت... على فكرة صاحبي هذا يحمل هذه البطاقة "الرمادية" : العمر: جدّ جديد أو يكاد، وأحفاد على الطريق. حوكم بسنوات سجن طويلة، وتعرض في سنين شبابه للسجون والمعتقلات. منفي عن بلاده لسنوات طوال. عرف النضال في كل مراحل حياته وكانت الجامعة منطلق المسار. تزوج مناضلة وأنجب مناضلين وعلم أبنائه النضال. أحد برامجه المفضلة الأخبار ولا غير الأخبار. يعلق في صالون بيته خريطة بلاده، وعلى جانبي الأريكة علم البلاد.. وفي الوسط لوحة مكتوب عليها بلون أحمر داكنا كشقائق النعمان.. "نعيش في الوطن ويعيش الوطن فينا "! 25 أوت 2008 الوسط التونسية-25 أوت 2008
|
|
|
|