خطاب أوباما في جامعة القاهرة : "مواقف اسلامية" في حاجة الى التعديل ..
مرسل الكسيبي*- الوسط التونسية + صحف :
موقف حركة الاخوان المسلمين وحركة حماس وحزب الله من خطاب الرئيس أوباما بجامعة القاهرة لم يكن في تقديري المتواضع منصفا على الاطلاق , فلقد طغت على موقف ثلاثي المقاومة والممانعة السياسية بالمنطقة العربية أحكام مسبقة , حاولت الحكم على الخطاب قبل القائه بأيام أو ربما منذ الاعلان عنه رسميا من قبل الادارة الأمريكية ...
كانت الحملة موجهة ضد الخطاب قبل القائه على اعتبار أنه سيكون حملة للعلاقات العامة الأمريكية , ومن ثمة فانه وبحسب هذه التيارات يأتي كمحاولة جديدة وناعمة من أجل تحسين صورة الولايات المتحدة الأمريكية في ربوع المنطقة الاسلامية...
ليس عيبا أن تسعى دولة عظمى أو صغرى الى تحسين صورتها ديبلوماسيا , وليس عيبا أن تستشعر دولة ما خطأ سياستها الخارجية , وأظن أن الرئيس باراك أوباما كان قد استشعر ومنذ الاعلان عن نفسه مرشحا للرئاسة الأمريكية خطأ سياسات خلفه السابق جورج دوبل يو بوش , ومن ثمة وعد ناخبيه باصلاح مافسد من سياسات استراتيجية تهم علاقة أمريكا بدول العالم الاسلامي ...
قد يظن البعض أنه مطلوب من الرئيس الأمريكي تحرير المسجد الأقصى وتسليم مفاتيحه الى الأمانة العامة للمؤتمر الاسلامي وأمينها العام السيد احسان الدين أوغلو ! , وقد يتصور البعض الاخر أنه مطلوب من امريكا أن تعلن الحرب على اسرائيل من أجل تحرير كامل فلسطين ..!!, بينما يتوهم اخرون أن الرئيس أوباما يتصرف بصفته حاكما مطلقا مثلما هو حاصل في معظم البلاد العربية والاسلامية , ومن ثمة فانه الحاكم والناهي في الاعتراف الرسمي بحركة المقاومة الاسلامية ورئيس مكتبها السياسي السيد خالد مشعل !!!...
تتناسى الحركة الاسلامية العربية وربما نظيرتها في بعض بلاد العالم الاسلامي , أن الرئيس أوباما يمثل دولة ذات نظام سياسي ديمقراطي تتقاسم فيه صناعة القرار مجموعة من المؤسسات النافذة على صعيد القرار الداخلي أو على صعيد القرار العالمي , ومن ثمة فان لضغوطات الحزب الجمهوري وصقوره المحافظة كما لاكراهات اللوبيات المالية والدينية الكبرى تاثيرات على مجريات اتخاذ القرار .., هذا دون أن ننسى دور ماكينة الصناعة العسكرية في توجيه القرار الأمريكي المركزي ...
الرئيس أوباما حينئذ كان عسلا سياسيا وبكل المعايير , فهو الذي يتوجه الى القاهرة ويلتقي كبار سياسييها ومثقفيها ويتجرأ على كسر تابوهات في تاريخ السياسة الأمريكية منذ عصر الرئيس كينيدي ...
يقف أوباما متفهما لأوجاع العالم الاسلامي ويعد بالانسحاب من العراق مع موفى سنة 2012 , كما يتفهم تطلعات شعوب المنطقة الى الدمقرطة والاصلاح , ويدعو الاسرائيلين علانية الى ايقاف الاستيطان , كما يتحدث عن حماس في معرض أنها تمثل قطاعا عريضا من الشعب الفلسطيني , ويدعو الى اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل ويعد بانجاح مشروع قيامها قبل انتهاء دورته الرئاسية ...
يتحدث أوباما مرارا وتكرارا عن الدور الرائد للمسلمين في بناء أمريكا ونهضتها على أكثر من صعيد , كما يقر ببلائهم الحسن في ديار الغرب , يعين مستشارين له من دوائر اسلامية احداهن مثقفة أمريكية مسلمة ترتدي الحجاب .., ولايكفي هذا بل انه يتجاسر في أكثر من مناسبة على نزع فتيل الحرب ضد ايران وسط تهديدات اسرائيلية متكررة ..
الرئيس أوباما يمكن تشبيهه في تقديري بالرئيس الايراني السابق محمد خاتمي , الذي وضع حدا للحرب العراقية الايرانية التي أزهقت ملايين الأرواح , كما ساهم في اعادة بناء ايران وتبنى خط عقلانية الدولة وأخرجها من خط تصدير الثورة الذي وقع تبنيه بشكل سيئ على عهد الامام الخميني ..
تبنى خاتمي خط حوار الحضارات وساهم بقدر عالي في تحسين علاقات ايران بدول العالم الغربي والعالم العربي , ومن ثمة نظر العالم اليه بكثير من التقدير والاحترام بما في ذلك قادة الحركة الاسلامية العربية بعد أن وضعت سياساته حدا لتصدير المذهبية والطائفية القاتلة...
نفس الخط مع فارق في الخلفية وفارق في الينابيع الدينية والحضارية والموقع السياسي والعسكري العالمي , نفس الخط يتبناه اليوم الرئيس باراك أوباما لفائدة السلم والاستقرار الدولي كما لمصلحة أمريكا التي أنهكتها حروب أفغانستان والعراق كما تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية ..., غير أن البعض من العرب والمسلمين معارضين أو رسميين لاينظرون بعين الرضا الى هذه السياسات ولايجرؤون على تثمينها أو اسنادها ولو أدبيا ...!!!
تعود العرب والمسلمون للأسف الشديد على نظرية المؤامرة وعلى التكفير السياسي لما هو قادم من أمريكا حتى ولو كان الرئيس أوباما الذي يخاطر اليوم بحياته وسط اكراهات داخلية معقدة من اجل تصحيح علاقة الدولة الأعظم بدول الهلال الاسلامي الخصيب..
يقول بعض هؤلاء بأن أوباما لايفعل هذا لأجل عيون المسلمين والعرب ولالمصلحة شعوبهم وانما لمصلحة امريكا وشعبه , ونقول لهم دعوه يفعل هذا لمصلحته أو مصلحة منتخبيه أو مصلحة أمريكا شعبا ودولة , ودعونا معشر العرب والمسلمين نتقاسم معه هذه المصالح ..!
اذا كان طريقه سالكا نحو اقامة دولة فلسطينية , فما ضيرنا نحن !؟ , واذا كان طريقه سالكا نحو تحرير العراق وأفغانستان من الوجود العسكري الأجنبي فماضيرنا أيضا ؟! , واذا كان طريقه سالكا نحو علاقات أمريكية أفضل مع العالم الاسلامي , أو لسنا حينئذ طرفا مستفيدا !؟
اذا دافع أوباما عن ميراث المسلمين وحضارتهم وثبت ذلك في الخطاب الرسمي الأمريكي , أو ليس أيضا هذا مكسبا لحوار الحضارات والشعوب الذي دعت اليه المعاني القرانية , حين جعلنا الله تعالى شعوبا وقبائل لنتعارف !؟
ان تحرير فلسطين واعادة الاعتبار للمسجد الأقصى ليست مهمة أوباما , وان كف الأذى عن الشعب الفلسطيني هو مهمة عربية اسلامية بالدرجة الأولى , ومتى توفرت للعرب والمسلمين فرص الاستقرار والتنمية والنهضة العلمية والتقنية والاقتصادية كنا أقرب مانكون الى مشروع الدولة الفلسطينية الضامنة لحقوق الشعب الفلسطيني الدينية والتاريخية -بما فيها حق العودة- ...
أما موضوع الاصلاح السياسي واحترام حقوق الانسان ودولة الحق والقانون والحكم الرشيد بالمنطقة العربية والاسلامية, فلن يكون على يدي الرئيس أوباما وانما هو واجب شعوب المنطقة ومجتمعاتها المدنية, الا أنه يكفي أوباما شرفا أن يرفع غطاء الدعم الأدبي والمعنوي الذي كانت تستمده بعض حكومات المنطقة من خلال استثمار تراث التعذيب بمعتقل غوانتانامو سيء الذكر...
لاأنسى أخيرا أن أقول بأن للرئيس أوباما شرف الدفاع عن حجاب المرأة المسلمة في خطابه الذي دخل به التاريخ من جامعة القاهرة , بعد أن استفردت بعض الأنظمة العربية الشاذة بالمحجبات وحولت قضيتهن الى موضوع استثمار خارجي تستدر بع عطايا بعض الخزائن الغربية ...
أقف ختاما أمام مضمون خطاب الرئيس أوباما وقفة احترام واكبار وأعتبر أن خطابه بجامعة القاهرة بتاريخ 4 جوان 2009 صفحة جديدة في علاقات أمريكا بشعوب المنطقة الاسلامية , وأعتبر أن المزايدة المشطة على الرجل ستضعف موقعه الداخلي كرئيس امريكي وسط أجواء دولية مشحونة بنذر الحرب ومؤامرات استنزاف ثروات المنطقة ...
لاشك أنني أقر بفضائل بعض حركات المقاومة ومشروعها المتطلع نحو افاق التغيير , غير أنني أعتبر أن الواقعية السياسية تتطلب استثمار الفرص التاريخية المتاحة على عهد الرئيس الأمريكي الجديد في انتظار أن تتهيء للعالم فرص أفضل للعدل والمساواة بين الأعراق والشعوب وماتغاير من أصحاب الديانات الكبرى .
كتبه مرسل الكسيبي* - 6 جوان 2009
*اعلامي وكاتب تونسي مقيم بألمانيا : reporteur2005@yahoo.de -الهاتف للاتصال بالكاتب 00496112054989