اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
انتخابات ايران وتساؤلات عقلانية بشأن المشروع الاسلامي المعاصر...


مرسل الكسيبي*-الوسط التونسية+صحف :
المتابع لافرازات الانتخابات الرئاسية الايرانية ونتائجها الميدانية يقطع يقينا بأن ثمة خللا ما قد طرأ على العملية الانتخابية , اذ ليس من المعقول أن يخرج مئات الالاف من المتظاهرين في شوارع طهران أو تبريز أو أصفهان أو بقية المدن الايرانية لمجرد تحريض أو تدخل أمريكي أو غربي في الشأن الايراني ...

واذا كان التدخل الغربي في الشأن الايراني ليس حقيقة جديدة يتم اكتشافها هذه الأيام بمناسبة اعتراض أنصار الزعيم الاصلاحي مير حسين موسوي على نتائج الانتخابات , فانه بالمقابل لايمكن أن يأتي اتهام ثلاث مرشحين رئاسيين لبعض مؤسسات الدولة بالاستبداد والفساد من موقع الشائعات والفراغ ...

لاأشك لحظة في أن خصوم الرئيس أحمدي نجاد الخارجيين ليسوا بالقلة , ولايراودني شك في استهداف ايران من قبل قوى عالمية مؤثرة , خاصة في ظل تطلع قيادتها الى اثبات جدارتها كدولة عظمى على الصعيد الدولي والاقليمي , اذ أن حرصها على امتلاك ناصية العلم والتقانة والقوة العسكرية الرادعة سوف لن ينظر له بعين الرضا في جغرافيا اقليمية وسياسية وعالمية اندحر فيها الشرق في مواجهة هيمنة الغرب ...

ايران ببرامجها البحثية في علوم الأرض والفضاء , وبجامعاتها ومراكز بحوثها ونخبتها العلمية والسياسية أثبتت قبل الأزمة الأخيرة وعلى مدار عقدين تليا الحرب العراقية الايرانية أنها امبراطورية في طور استرجاع عناصر القوة التاريخية والدينية والحضارية , وهو مالم تنظر اليه دول عظمى كثيرة بعين الارتياح في ظل تطلع هذه الأخيرة الى ممارسة دور القوة الرادعة لتطلعات الدولة العبرية المحتكرة لتصريف شؤون المنطقة وفق أهداف توسعية ..

لقد قادت ايران محور المقاومة الشرق أوسطية على مدار عقد كامل بكثير من الاقتدار , غير أن طموحات بعض قادتها المذهبية ألقت بكثير من الشك والريبة على الأهداف المبتغاة من تثبيت قدراتها النووية أو دخولها في برامج غزو الفضاء أو تطويرها السريع والكبير لقدراتها العسكرية ..

قد يجيب البعض بأن كل هذه الاحداثيات الأخيرة تأتي في مواجهة تطلعات اسرائيل أو مشاريع استهداف ايران على الصعد العسكرية والسياسية , وهو مالايخلو في نظرنا من الوجاهة في التعليل , الا أن مخاوف بلدان المنطقة من تصدير تيار التشيع الطائفي وسط منطقة منسجمة مذهبيا ودينيا زاد من تجند بعض المجتمعات والهيئات والدول في مواجهة مطامح غير معلنة في السياسة الايرانية..

هل هي قشة موسوي أم أشواق حقيقية نحو العدالة والحرية؟ :

اقتنص الغرب بلا شك تشكيك الثلاثي مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحسن رضائي في نتائج الانتخابات الرئاسية وتجندت قنوات السي ان ان والبي بي سي ومواقع التويتر واليوتوب والفايس بوك والغوغل من أجل تغطية عيوب وديناميكية المجتمع السياسي الايراني , وتكشف المشهد عن أسبوع كامل من المظاهرات الجماهيرية الضخمة , وبات البعض يتحدث عن ثورة ايرانية جديدة .., ليتناسى المحللون أن مير حسين موسوي هو رئيس وزراء أسبق على عهد الخميني , وأن مهدي كروبي كان رئيسا سابقا لمجلس الشورى , وأن محسن رضائي كان محافظا ورئيسا سابقا للحرس الثوري الذي يمثل القوة العسكرية الأعظم في الدولة الايرانية ...

ليس ثمة في ايران حينئذ ثورة على مبادئ الثورة , وانما ثمة مطالبة بالتمسك بقيم العدالة والحرية التي ناضلت من أجلها أجيال الثورة قبل ثلاثين سنة من هذا التاريخ ..

الجماهير الايرانية تحدثت في مظاهراتها عن الفساد وعن الاستبداد الذان قاومتهما الثورة على عهد الامام الخميني , ولم تطالب لا بايقاف برنامج ايران النووي ولابتفكيك منشاتها النووية وتسليمها الى الولايات المتحدة الأمريكية ..

مير حسين موسوي الذي وصفته صحيفة النيويورك تايمز قبل يومين بغاندي ايران وان كان طالب بعلاقات منفتحة مع الغرب وبمزيد من الحريات للشعب الايراني , فانه يبقى الابن البار للثورة الاسلامية الايرانية ولايمكن أن ينقلب في لحظة تاريخية على مبادئ الثورة , ولعل قبول ترشحه مع ثلاث شخصيات أخرى من قبل مجلس صيانة الدستور من بين 475 مرشحا لمنصب الرئاسة , كان ضمن عملية انتقائية مدروسة لايمكن أن تخطئها أعين المرشد الأعلى للثورة الاسلامية ...

فحينئذ لم تكن ايران أمام ثورة جديدة وانما أمام مطالب اصلاحية تريد الاقتراب أكثر من طهرية الخميني ووهج الثورة في أيامها الأولى ..

ان الأزمة الانتخابية الايرانية والم تكن قشة في بحر من المتظاهرين جابوا كبريات شوارع وساحات العاصمة طهران , الا أنها تحولت أمام مقتل سبع متظاهرين وجرح عدد غير محدد من المتظاهرين الى أزمة أخلاقية حقيقية تشق جوهر المشروع الاسلامي المعاصر سواء كان سنيا أو شيعيا ...

ايران تنقسم على الطريقة السودانية :

بعد انشقاق القيادة السودانية بين مناصرين لمشروع الرئيس البشير الأقوى سياسيا بحكم جذوره العسكرية , وبين مناصرين للترابي بصفته زعيما حركيا تاريخيا , يأتي انشقاق القيادة الايرانية بين موالين لمرشد الثورة علي خامنئي ورئيس الدولة احمدي نجاد , وبين ملتفين حول التيار الاصلاحي الذي بات موسوي وخاتمي ورفسنجاني وابنته أبرز وجوهه القيادية ...

انشقاق اسلامي جديد يشهده الشارع الاسلامي الايراني بعد أن باتت أخبار الانشطارات والاختلافات الحادة خبرا عاديا في صفوف مناصري المشروع الاسلامي بالمنطقة..
أخطر مافي الأمر هو أن ينعكس انقسام النخبة الاسلامية على أجهزة الدولة والشارع , فتتكشف الانقسامات على حجم هائل من الحقد والكراهية ينقلب الى اراقة دماء أبرياء في شوارع أو عواصم انطلقت منها شرارة التغيير أو الثورة ..

المطلب الديمقراطي يبيت حينئذ حاجة اصلاحية داخلية اسلامية غير قابلة للتأجيل , شأنها في ذلك شأن أهمية مطالبة حكومات البلاد العربية والاسلامية بالاصلاح والدمقرطة ..

فالمتأمل في تجربة الصومال والعاصمة مقديشو يقف أمام كارثة تمارس باسم الاسلام وأطرافها اليوم قادة سابقون بالمحاكم الاسلامية , فالشيخ عويس في مواجهة الرئيس شيخ شريف شيخ أحمد , والمجني عليهم هم صوماليون بسطاء يتخطفهم الجوع والفقر والمرض وألسنة الحرب التي مهدت لها القوى العالمية الكبرى حين جعلت من الصومال ساحة للحرب الباردة في منطقة القرن الافريقي..

الأفغان بمشروعهم الاسلامي فشلوا هم الاخرين لتخلف فقهي وفكري وسياسي في ادارة معركة السلطة وانقلب مجاهدو الأمس على بعضهم البعض ليحدثوا خرابا ودمارا ودماء لم يحدثها خراب ودمار غزو الجيش الأحمر الذي لم يقصر هو الاخر في تقتيل شعب وتدمير وبلد ...

حركات اسلامية أخرى تختلف خارج السلطة أو حين تكون طرفا شريكا فيها , فيتهم قادتها بعضهم البعض بالفساد وينقلب اخوان الأمس الى أعداء اليوم , وتنشطر الأجسام السياسية الاسلامية لتتولد أحزاب وجماعات جديدة فتنتعش حكومات وتتصلب أخرى في مناوئة المشروع السياسي الاسلامي بدعوى تخريب صفاوة ونقاوة الاسلام حين الزج به في أتون الحروب والصراعات السياسية ..

خلافات الاسلاميين الجزائريين قبل أسابيع في مواجهة أبي جرة سلطاني لم تكن بعيدة عن الناظرين , وقد أدت على اثر ذلك الى تجميد عضوية حركة مجتمع السلم بمكتب الارشاد بحركة الاخوان المسلمين , ولاشك في أن التهم الموجهة الى سلطاني كانت تحوم حول الفساد واستغلال النفوذ وممارسة التسلط داخل حزبه ...
النتيجة هي بلاشك صدمة وحيرة الشارع العربي والاسلامي , ولاغرو حينها أن يتراجع أداء الاسلاميين انتخابيا في الكويت أو تفشل تحالفاتهم في لبنان مع الجنرال عون , أو أن تتجذر راديكالية مطالب بعض اللائكيين المتطرفين في عدم الافساح أمام المشاركة الاسلامية في الحياة العامة كما هو الشأن في الساحة التونسية..

الخلاصة أن الأداء الاسلامي في ظل هذه التطورات الدولية والاقليمية والقطرية لابد أن يخضع للمحاسبة والتنسيب والمراجعة الأخلاقية والتربوية , وأظن أن حمل أصحابه يافطة الاسلامي أو للواء الحركة الاسلامية لايكفي لوحده من أجل تسويق المشروعية السياسية أو الانتخابية , فبين مشروع غول وأوردوغان الذان يبنيان ويطوران ويشيدان مساحة ومسافة ضوئية فاصلة مع مشروع الشيخ عويس الصومالي أومشاريع الأحزاب الأفغانية ذات الجذع الطالباني حيث لابناء ولاتشييد وانما حمل دائب للسلاح وحرص مستمر على اراقة الدم والانشغال بمعارك التحريم والتحريم والتحريم ...

المحنة الايرانية الحالية قد تحمل معها بوادر الحل والتطوير والتنمية الكبرى للمشروع السياسي الاسلامي , وقد ترتد في احتمالية ثانية على التيار الاسلامي العربي والأعجمي لتزيحه من التأثير الكبير على الفضاء العام , فهل يقتنص الاسلاميون العبرة والعظة مما يحصل اليوم في الساحة الايرانية ؟
الأكيد أن الديمقراطية الداخلية والعدالة والمساواة والحرية في التعامل مع الأعضاء والجماهير هي مقدمة عظيمة لهذا الاصلاح الفقهي والسياسي الكبير داخل المنظومة الاسلامية الحركية , فهل من مستجيب ؟

كتبه مرسل الكسيبي* - 20 جوان 2009

*اعلامي وكاتب تونسي مقيم بألمانيا : reporteur2005@yahoo.de
-الهاتف للاتصال بالكاتب  00496112054989

Designed by NOURAS
Managed by Wesima