|
ايران ولعبة الكبار : علي أكبر هاشمي رفسنجاني في مواجهة خامنئي...
مرسل الكسيبي*-الوسط التونسية+صحف:أمام تحذير أبرز رجالات الطبقة الدينية الايرانية آية الله العظمى حسين علي منتظري من خطورة الاستمرار في قمع احتجاج االمعارضة وحديثه عن تطور ذلك الى امكانات تقويض أسس الحكومة مهما كانت قوية.., يبدو المشهد الايراني دون رصد للكواليس مجرد معركة بين محمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي بصفتهما المتنافسين الأبرزين على منصب رئاسة الجمهورية الاسلامية الايرانية .. المتتبع بدقة لتفاصيل المشهد الايراني وخباياه يدرك جيدا , أن أسماء علي خامنئي مرشد الثورة الايرانية وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام ورئيس مجلس الخبراء , تشكل أبرز وأقوى معالم هذا الصراع الذي مس بقوة غير مسبوقة المؤسسة القيادية بالدولة الايرانية... يتذكر المتابعون لتطورات الأزمة السياسية الأقوى في تاريخ ثلاثة عقود من عمر الثورة الايرانية أن مرشد الجمهورية الاسلامية خامنئي وقف قبل أسبوع وفي خطبة الجمعة ليثني على شخص الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني , وهو مالم يكن في نظر البعض الا مجرد فقرة محشوة في خطبة سياسية بجامعة طهران .. عرف علي خامنئي بماضيه كرجل دين قوي في مواجهة الشاه وأجهزة السافاك علاوة على قيامه على مهام ميدانية بارزة في مرحلة الحرب العراقية الايرانية , كما إنشائه للحزب الجمهوري الإسلامي بالتعاون مع نخبة من رجال الدين ورفاق دربه من أمثال "بهشتي" و"باهنر" و"هاشمي رفسنجاني" و"موسوي أردبيلي" في مارس من عام 1978م، وهو ما هيأ له الفرصة لحضور فعال وتنظيمي قوي في مواجهة القوى المعادية للثورة ..
مثل هذا الرجل الذي يمثل حاليا السلطة الأعلى بايران ليس من الهين أن يدافع عن الرئيس الأسبق رفسنجاني أمام الالاف من أنصاره وفي حضور الرئيس أحمدي نجاد وقادة حراس الثورة وأبرز قيادات الدولة لولا ادراكه لخطورة هذا الأخير في تحديد مصير منصب المرشد الأعلى للثورة الاسلامية ..
خامنئي رفض اتهامات نجاد لرفسنجاني بالفساد , وهو الذي عرف عنه جمعه لثروة طائلة بفضل مايراه الشارع والمعارضون استغلالا للنفوذ داخل أجهزة الدولة , وحينئذ أصبح رفسنجاني وأمام الجموع الحاشدة رجلا يدفع من جيبه للثورة ورجالاتها , فهو الرجل النزيه والنظيف كما ورد على لسان المرشد الأعلى علي خامنئي ..
بعد أيام قليلة من هذا الثناء على رئيس مجلس الخبراء ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام , استمرت فائزة رفسنجاني ابنة الرئيس الأسبق الممدوح خامنئيا والمنتقد نجاديا في قيادة مظاهرات الشارع وتأليبه على من وصفوا بتزوير الانتخابات , وهو مابدى في الحقيقة تباعدا للشقة بين أهم وأقوى رجلين في الدولة الايرانية..
رد مرشد الثورة في تحذير لرفسنجاني باعتقال السيدة فائزة رفسنجاني وأربع أفراد من عائلة هذا الأخير , في حين غاب علي أكبر هاشمي عن الأنظار وتوجه الى قم حيث معقل طبقة علماء المذهب الشيعي الايراني ..
لم يكن رفسنجاني حينها في مشهد تبرك بمقام كبار علماء المذهب , بل انه ذهب في مهمة حض أعضاء مجلس الخبراء وكبارات فقهاء قم على الحد من صلاحيات المرشد أو ربما تكوين مجلس قيادة جماعية تقوم مقام المرشد الأعلى للثورة الاسلامية ..., تمهيدا لافراز مرشد جديد أو ربما اعادة النظر في صلاحيات المنصب دستوريا .
و بموجب الدستور الايراني فان مجلس خبراء القيادة يمارس دورا سياديا على نشاط المرشد الأعلى الذي ينتخبه مدى الحياة , ويحق للمجلس أيضا إقالته في حال اعتبر انه لم يعد بوسعه اداء مهامه, ويجتمع المجلس كل ستة اشهر، وتبقى مناقشاته ومشاوراته سرية. وقد انتخب أعضاء المجلس 86 والحائزين على رتبة مجتهد في المذهب الشيعي بحسب ماتنص عليه النصوص الدستورية في ديسمبر 2006، وهو مايعني أن بمقدور هاشمي رفسنجاني الاستمرار ولمدة خمس سنوات أخرى على رأس هذا المنصب بحكم استمرار المجلس في صلاحياته لمدة ثماني سنوات تقع على اثرها انتخابات جديدة لأعضائه .
وحينئذ فان علي خامنئي كان قد استبطن جيدا أن اتهامات محمود نجادي لرفسنجاني بالفساد مع سكوته الشخصي يمكن أن تعني انهاء لصلاحياته الدستورية في ظل سطوة رفسنجاني السياسية والدستورية بتموقعه على رأس مجلس خبراء القيادة ..
فهمت الأجهزة الأمنية الايرانية الرسالة أيضا وعجلت باطلاق سراح فائزة رفسنجاني وأفراد عائلة الرئيس الأسبق بعد يوم واحد من اعتقاله , وهو مايعني أن المعركة الحقيقية في ايران باتت بين رجلين يتواجهان بأجهزة السلطة وقوة ردع الشارع ..
يبدو الغرب غير محيط على وجه دقيق بتفاصيل الصراع الداخلي والانقسام الحاصل في اجهزة الدولة الايرانية ومن ثمة فان المراهنة على تغيير توجهات ايران والثورة لن يكون ممكنا , اللهم ان أفلحت أجهزة الاستخبارات الخارجية في توظيف هذا الصراع عبر تفكيك تماسك الأجهزة الأمنية..
والى حد قريب سحب يوم امس المرشح الرئاسي محسن رضائي شكواه الرسمية من نتائج الانتخابات أمام عدسات الكاميرا , وهو مايعني أن هذا الأخير اختار الانحياز الى حراس الثورة ومرشدها بصفته قائدا سابقا لأقوى تشكيل عسكري بالدولة وهو جهاز الحرس الأكثر تعدادا وخبرة بشرية والأقوى تسلحا ..
أما مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى الأسبق والمرشح الرئاسي المنهزم فقد تمسك بمطلب استمرار التظاهر السلمي , في حين اختفى مير حسين موسوي عن العيان بعد تحذيره رسميا من مقاضاته بتهمة الاخلال بالأمن القومي الايراني ..
وأمام تراجع وقع المظاهرات في شوارع طهران أو انخفاض وتيرتها , فان مستقبل ايران سياسيا يظل رهين صراع القوة بين أقوى رجلين ايرانيين , فرفسنجاني الذي عرف بحدة ذكائه ودهائه لن يقبل بازاحته من المشهد كما لن يسكت لاهانة خمس من افراد عائلته وهو الذي تولى منصب رئيس البرلمان بين عامي 1980 و1989, و عينه آية الله الخميني قائما بأعمال قائد القوات المسلحة اخر أعوام الحرب العراقية الايرانية . هذا ولايمكن أن نتناسى الوزن المعنوي للرجل وهو الذي ينظر له على أنه كان القوة المحركة لقبول إيران قرار مجلس الأمن الدولي الذي أنهيت بموجبه ثمانية أعوام من الحرب العراقية الايرانية. رفسنجاني الذي تقلد منصب رئاسة الجمهورية الإسلامية وسعى الى إعادة فرض إيران كقوة إقليمية, وساعد نفوذه في لبنان على إطلاق سراح رهائن أجانب احتجزوا أوائل التسعينيات , سوف لن يسكت في تقديرنا على حسم المشهد لنجاد أو بعبارة أخرى لعلي خامنئي , وانما سيحاول عن طريق الشارع ورجال الدين تسجيل نقاط جديدة الم نقل حسم المعركة لصالحه ...
أمام رفسنجاني خمس سنوات في هذا السباق الحاسم مادام على رأس مجلس الخبراء وأمام المرشد أسابيع معدودة لحسم التمرد وضبط ايقاع الشارع في انتظار استرضاء رفسنجاني واعادته الى بيت الطاعة أو التخلص من موقعه بطريق سياسي وأمني قد لايعجز عنه حراس الثورة وصقورها المحافظون .
كتبه مرسل الكسيبي* - 25 جوان 2009
*اعلامي وكاتب تونسي مقيم بألمانيا : reporteur2005@yahoo.de -الهاتف للاتصال بالكاتب 00496112054989
|
|
|
|