الأزمة الايرانية : رفسنجاني يغير الاستراتيجيات وأوباما يدعم موسوي ..
مرسل الكسيبي*-صحف+الوسط التونسية:
للأسبوع الثاني على التوالي يتغيب علي أكبر هاشمي رفسنجاني عن تقليد حضوره خطبة الجمعة بمسجد جامعة طهران , وهو مايؤكد مرة أخرى ماذهبنا اليه من تباعد للشقة بينه وبين مرشد الثورة الايرانية اية الله علي خامنئي , الذي سبق وأن أثنى على هذا الأخير في خطبته الشهيرة قبل أكثر من أسبوع...
لم يكن دفاع خامنئي عن رفسنجاني ومديحه له بتاريخ التاسع عشر من الشهر الجاري كما سبق أن ثبتنا ذلك في مقالنا الأخير , الا محاولة لاسترضاء الرجل وهو الذي يدرك جيدا أن المعركة الحقيقية سيقع حسمها مع رفسنجاني من خارج الشارع , أي من داخل أجهزة السلطة ...
ايران تشهد هذه الأيام بداية تراجع ملحوظ وواضح لحركة الشارع , وهو مايعني أن قادة التيار الاصلاحي وزعيمهم الحقيقي رفسنجاني باتوا يدركون أن المعركة تغدو خاسرة حين يتدخل لحسمها ثوريا حراس الثورة وقوات الباسيج .., اذ تصبح تهم تهديد الأمن القومي الايراني وتعريض مصالح ايران الاستراتيجية للخطر في ظل التهديد الاسرائيلي الحقيقي مقدمة لاظهار قادة التمرد الاصلاحي بمظهر "المتعاونين" مع الغرب واسرائيل ...
مرشد الثورة أعطى أوامره بالقيام بأضخم مناورات جوية ايرانية في مياه الخليج وبحر عمان , ومنافسوه يواصلون اضطرابات الشارع واحتجاجاتها وماصاحبها من شغب .., يبدو الأمر حينها عبثا سيحكم على جهود الاصلاحيين بالفشل ..
ماذا لو قدر لايران أن تلقت ضربة عسكرية اسرائيلية لمنشاتها النووية الاستراتيجية في هذا الظرف ؟ , حينها سيصبح مير حسين موسوي وهاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي أعداء حقيقيين للثورة , في مقابل ذلك سيبدو اية الله علي خامنئي وأحمدي نجاد حماة الأمن القومي الايراني وأبطال حقيقيين في مواجهة طموحات علمية وتقنية لاينقسم بشأنها الشارع الايراني ..
رفسنجاني بدهاء رجال البازار المعهود يبدو أنه قد فهم الرسالة , فجاء قرار مهدي كروبي رئيس البرلمان الأسبق بالغاء مسيرته الاحتجاجية على سقوط ضحايا اضطرابات مابعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة..
مير حسين موسوي فهم هو الاخر أن التظاهر لابد ان يكون سلميا , ثم سرعان ماتراجع عن تحريض انصاره على النزول للشارع ..
الرئيس الأسبق محمد خاتمي غاب حاليا عن الصورة فيما يبدو أنه انتصارا لخط سياسي جديد يقوده رفسنجاني بحكم تموقعه الأقوى داخل أجهزة النظام ..
قبل أيام قليلة جاء قرار مجلس صيانة الدستور المتهم بولائه للمحافظين والمرشد باعادة فرز 10 بالمائة من اصوات الناخبين بحضور وسائل الاعلام ,و كتطور لما مارسه رفسنجاني وحلفاؤه داخل أجهزة السلطة من ضغوطات , اعلن يوم أمس عن تشكيل لجنة لاعداد تقرير شامل عن نتائج الانتخابات ونتائج الفرز الجديد للعينة العشوائية من عشر الأصوات ..
تشكيلة اللجنة المكلفة بالمهمة تعد انتصارا بالنقاط لفائدة رفسنجاني حيث عين بهيكلها علي أكبر ولايتي وزير الخارجية السابق وأحد منتقدي نجاد , بالاضافة الى وزير الاستخبارات السابق قربان علي نجف عبادي , وغلام علي حداد عادل رئيس البرلمان الأسبق الذي قاطع حفل اعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد ..
وفي تغيير لاستراتيجيته عمد هاشمي رفسنجاني لتحريك مقربيه الى مقاطعة احتفالية اعادة انتخاب نجاد , حيث تجاوب معه في هذا الاتجاه أيضا كل من علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى والمكلف سابقا بملف المفاوضات في الملف النووي الايراني , ومحمد باهنر نائب رئيس مجلس الشورى , وأحمد توكلي رئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان .
رفسنجاني يبدو ممسكا وبكل حنكة بخيوط لعبة المعارضة وواجهتها مير حسين موسوي , فبين الحوزة العلمية بقم التي تحول اليها قبل أيام ومن ثمة كسب موقف اية الله العظمى منتظري الذي انتصر لموقف الشارع وعدم جواز قمعه , وصولا الى خيوط اللعبة السياسية في طهران حيث يتموقع على رأس جهازين بارزين وهما مجلس خبراء القيادة ومجلس تشخيص مصلحة النظام ..
بين خامنئي الرجل الأقوى في تيار المحافظين وبين رفسنجاني الرجل الأقوى في تيار الاصلاحيين البراغماتيين تبدو ايران معايشة لتغيير اساليب معركتها السياسية الكبرى منذ اندلاع ثورتها قبل ثلاثة عقود ..
وفيما يبدو ضعفا غربيا فادحا في فهم طبيعة الأزمة الايرانية ألقى الغرب بثقله وراء دعم المرشح الاصلاحي مير حسين موسوي , وقد بدى واضحا يوم امس في تصريحات رسمية للرئيس اوباما أن تجميد المفاوضات بشأن الملف النووي الايراني تزامن مع ثنائه بشكل صريح على موسوي حين قاله بأنه أسر خيال الايرانيين الذين يريدون الانفتاح على الغرب ..
الظاهر حينئذ أن الادارة الأمريكية تفتقد وبشكل واضح لصورة واضحة عن طبيعة الصراع الايراني , بل انها لاتدرك مخاطر اظهار موسوي بمظهر القريب من الغرب , فالشارع الايراني في نظر اغلب المحللين وان كان ينبهر كثيرا ببعض شكليات الحياة الاجتماعية الغربية الا أنه يكتنز كثيرا من الكره لقوى يصفها الخطاب السياسي المحافظ بقوى الاستكبار العالمي ..
ايران حتى وبعد مرور ثلاثين سنة على ثورتها تبدو مستعصية على فهم الكثير من القيادات الغربية والأمريكية , ولايعود ذلك في تقديرنا الى فشل استخباري ميداني وانما الى نرجسية سياسية في التعاطي مع شؤون المنطقة , اذ أن شعوبها تطمح الى كثير من الاستقلال والنماء والتطور العلمي والتقني والحضاري في مواجهة ماتراه هيمنة اسرائيلية على دول العالم العربي والاسلامي ..
تبقى في خضم كل ذلك ايران حافلة بالأحداث والتطورات , وكما فاجأت الثورة سنة 1979 الادارة الأمريكية وحلفاءها , ايران برسمييها وشعبييها ومعمميها تفاجئ العالم اليوم بأنها قصة سياسية أكبر من الملالي أواحتقار بعض العمائم التي تفاجئ الشرق والغرب في كل مرة بما تخبئه تحتها من قدرات عجيبة على المناورة والتخطيط ..
من سينتصر في النهاية حاملو الياقات التحديثية بواجهة الاصلاح أم لابسو العمائم البراغماتية في قيادة المشروع الاصلاحي الايراني تحت واجهة محافظة ؟ , الجواب الاني والحالي يبدو أنه يدور في فلك المعممين فكرا واصلاحا حتى وان تخلى بعضهم عن العمامة ولبس أجمل الياقات ..
كتبه مرسل الكسيبي* - 27 جوان 2009
*اعلامي وكاتب تونسي مقيم بألمانيا : reporteur2005@yahoo.de -الهاتف للاتصال بالكاتب 00496112054989