الاسلاميون العرب والأزمة الايرانية : انتصار للفقيه وسكوت عن تشوف شعب للحرية..
مرسل الكسيبي*-الوسط التونسية+صحف:
يبدو اسلاميو المنطقة العربية أمام حالة من الصمت الرهيب تجاه ماجوبه به مئات الاف المتظاهرين الايرانيين من حالة قمع غير مبررة ابان الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة ..
واذا كنت لاأريد الحسم أو القطع في نتائج الانتخابات , تاركا للمؤسسات الايرانية الدستورية البت في أرقامها وتفاصيل المشاركة فيها , الا أنني كواحد من المثقفين العرب ذوي التوجهات الاسلامية المعتدلة أرفض قطعا طريقة التعامل القمعية التي جوبه بها المحتجون , بل انني أقف متسائلا حول معاني الثورة الايرانية اذا كان مصيرها يؤول وبعد ثلاثين سنة الى قتل 17 متظاهر وجرح العشرات واعتقال مئات اخرين ..
لايمكن ان يكون المعتقلون مجرد مشاغبين أو عابثين , فالثابت أن من بينهم على الأقل سبعين أستاذ جامعي من أنصار التيار الاصلاحي والمرشح الرئاسي مير حسين موسوي , هذا دون أن نأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي أزهقت بها روح الشهيدة نداء اغا سلطان وذاك المشهد الذي صعدت به روحها الى بارئها ..
حين يقع اعتقال امرأة جريئة ومثقفة بارزة بحجم فائزة هاشمي رفسنجاني مع بعض من افراد عائلتها ولو ليوم واحد , حينها يحق لنا أن نتسائل عن حقيقة مايروج له البعض من ديمقراطية المشهد الايراني ..
صحيح أننا في العالم العربي وفي منطقتنا السنية التي نعتز بالانتماء لها لانسمح بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة , هذا الم يكن الحكم ملكا يورث وسلطانا ينقل للأحفاد , وصحيح أن الدولة الايرانية تعلن عن فوز الرئيس بفارق غير بعيد عن ابرز المنافسين , كما هو شأن نجاد الذي لم يحرز الا على 65 بالمائة من الأصوات في مواجهة مير حسين موسوي الذي جمع 13 مليون من اصوات الناخبين أي 35 بالمائة منها ..
لكن ماذا حين يصبح الولي الفقيه أو مرشد الثورة رئيسا فوق الرؤساء ؟ , أي حين تكون أعلى وأنفذ الصلاحيات بيده وهو غير المنتخب شعبيا وبشكل مباشر في حين أن رئيس الجمهورية الايرانية وهو المنتخب شعبيا وبشكل مباشر لايتعدى أن يكون رجلا تنفيذيا في ديوان نائب المهدي المنتظر وهو الولي الفقيه ؟!!!
المشكلة تبدو عويصة جدا في النظام السياسي الايراني , الذي استند الى نظرية فقهية شيعية جاء بها صاحبها أحمد النراقي في كتابه عوائد الأيام , ثم جاء الامام الخميني ليطبقها لأول مرة سنة 1979 ..
النظرية الاشكال , تقول بالنيابة العامة للولي الفقيه أي المرشد الأعلى , في انتظار ظهور المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا ..., وهو مايجعل من ولاية الولي الفقيه بحسب رسالة للخميني كولاية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم !!!, فهو في نظره معين من قبل الامام المهدي الغائب ! , ومن ثمة لايجوز الاعتراض على قراراته , امتثالا لحديث يتداوله الشيعة : ان الراد على الفقهاء كالراد علينا وكالراد على الله !...
هذه ايران أمام الصلاحيات الواسعة والمطلقة للولي الفقيه , فهو رجل فوق أغلب مؤسسات الدولة الم نقل كلها باستثناء نظري ودستوري لمؤسسة مجلس خبراء القيادة التي يترأسها حاليا علي أكبر هاشمي رفسنجاني , والتي يشترط في عضويتها رتبة الاجتهاد , مما يجعلها هي الأخرى سليلة حوزة قم أي بعبارة أخرى لن تخرج بشكل أو باخر عن مساحات قبول الترشيحات التي تمر عبر مصفاة علي خامنئي الذي يتربص على عرش ولاية الفقيه منذ رحيل الامام الخميني ..., أي منذ عشرين سنة ..
ماشهدته ايران قبل أيام من ثورة عارمة والم يخرج عن الاطار العام للثورة الاسلامية الأولى ومبادئها العامة , الا أنه عبر في حقيقة الأمر عن عمق الأزمة الدستورية الايرانية في ظل ضيق ذرع الشعب الايراني والتيار الاصلاحي بالصلاحيات الواسعة والمطلقة للولي الفقيه أي للمرشد الأعلى للثورة ..
الثابت أن الأزمة بدأت منذ فشل الرئيس خاتمي في تحقيق الاصلاحات المنشودة , ومن ثمة تطورت الى مقاطعة التيار الاصلاحي لانتخابات مجلس الشورى , بعد أن أقصى مجلس صيانة الدستور أكثر من مائة مرشح اصلاحي لايدورون في فلك المرشد ..
قبل الاصلاحيون بشروط اللعبة الانتخابية من جديد حين تم قبول مير حسين موسوي كمرشح لمنصب الرئاسة , لاعتقاد سائد بأن الغالبية العظمى من الشعب الايراني لاتؤمن بالصلاحيات المطلقة للمرشد الأعلى ومن يمثله , ومن ثمة فان نتائج الانتخابات الرئاسية سوف تكون محسومة لفائدة موسوي ..
يطمح التيار الاصلاحي ومنذ ترشح خاتمي سنة 1997 الى تعزيز مواقعه داخل الدولة ومن ثمة تحجيم دور المرشد وتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية بصفته مفوضا من قبل الأمة الايرانية وليس نائبا عن المهدي المنتظر !
لكن الواقع الايراني أثبت أن تيار المحافظة الدينية التقليدية , مازال متمسكا بمواقع القرار على حساب الشعب الايراني والتيار الاصلاحي الذي بدأ يشعر بمخاطر نظرية الولي الفقيه في ظل تدجين دور المؤسسة الرئاسية وتحويلها الى مجرد وظيفة أشبه ماتكون بوظيفة رئاسة الوزراء !
يذهب كثير من الايرانيين الى اعتبار صلاحيات الولي الفقيه اوسع وأخطر من صلاحيات شاه ايران كما وقع التنصيص عليها في دستور سنة 1906 , ومن ثمة فان لب الصراع الحالي الذي انتقل بدموية وعنف الى الشارع يدور حول اعادة الاعتبار لحكم الامة والشعب بدل أن يكون الرجل الأول للدولة سلطة دينية مفوضة ربانيا والهيا بدعوى النيابة عن الامام الغائب في انتظار عودته !!!...
وبالعودة الى الصمت الذي لازمه الاسلاميون العرب تجاه احداث ايران أو دفاع بعضهم عن توجيهات علي خامنئي وخياراته في قمع تحركات الشارع الايراني , فاننا نقف أمام أزمة أخلاقية اسلامية عربية لاتقل خطورة عن سكوت اسلاميين عرب عن استعمال أشقاء لهم لمسلك العنف في قمع معارضين علمانيين تظاهروا مطالبين بحقهم في التنظم والتجمهر والتعبير ...
شاهدت اليوم وعلى شاشة الجزيرة الطريقة التي رافع بها الكاتب الاسلامي ياسر الزعاترة عن التيار المحافظ في ايران , ومهاجمته لتطلعات الاصلاحيين بدعوى قربهم أو ولائهم للغرب أو تنكرهم لقضايا المنطقة بدعوى تبني أولوية توجيه دعمهم للشعب الايراني .., وأدركت خطورة تحويل المشروع الاسلامي الى مجموعة من الولائات التنظيمية أو الاقليمية أو المالية , في بعد تام عن تبني قيم الحريات وحقوق الانسان والانتصار للمبادئ العادلة والمشروعة ..
ان قمع الشارع الايراني بتلك الطريقة وازهاق الأرواح هو أمر غير مقبول بكل المعايير الأخلاقية والسياسية , وحتى لو افترضنا أن موسوي لايمثل سوى اقلية مهزومة , فان حجم من صوتوا له هم على الأقل وبحسب النتائج المعلنة 13 مليون شخص , يضاف الى ذلك أن المشروع الديمقراطي الحقيقي هو الذي يحمي حقوق الاختلاف ويحصنها من الاعتداء بدواعي تمثيل الأغلبية ...
على التيار الاسلامي العربي ادراك أهمية الانتصار المبدئي للحريات وقيم المواطنة مع المخالفين في الرأي علمانيين أو اسلاميين أو غيرهم , اذ أن السكوت على قمع وكبت الحريات أو تبريره سوف لن يؤدي الا الى تجريد الاسلاميين من مصدر قوتهم الحقيقية وهو الالتزام بما خطوه من عهود ومواثيق أو ماحبروه من نصوص أكدت على قيم المواطنة وحقوق الانسان .
كتبه مرسل الكسيبي* - 28 جوان 2009
*اعلامي وكاتب تونسي مقيم بألمانيا : reporteur2005@yahoo.de -الهاتف للاتصال بالكاتب 00496112054989