اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
مخاضات عربية بامتياز , والحكم الملكي أعفى الشعوب من أوجاع كثيرة..


مرسل الكسيبي*-صحف-الوسط التونسية:
سؤال كثيرا ماطرحه علي البعض حين تطرقنا الى حقيقة الخارطة السياسية العربية : ماهي الأوزان الحقيقية لأحزابنا الحاكمة حين تشارك في انتخابات حرة وشفافة ونزيهة ؟...
وجوابي كان واحدا من افتراضين , هو من وزن جبهة التحرير الوطني في القطر الجزائري بعد سنة 1989, أو من وزن حزب البعث العراقي بعد انهيار العاصمة بغداد..., أما ماعدى ذلك فهو صورة سياسية واعلامية عاكسة لواقع الاستبداد...

حين تنظم الانتخابات حرة ونزيهة في بلاد الغرب , تجدنا أمام حزبين كبيرين وحزبين صغيرين أو أربعة أحزاب أخرى تشكل مشهد الائتلاف , أما في بعض بلاد العرب فلا صوت يعلو فوق صوت الحزب الواحد , أو حزب القائد والزعيم , حيث حزب الثلثين البرلمانيين الذي يحتكر تعديلات الدستور والقوانين الأساسية المتعلقة بحريات الناس وحقوقهم السياسية...

بعبارة أخرى أحزابنا الحاكمة تحتكر المجالس النيابية والولائية والبلدية , وتمسرح المشهد الانتخابي اعلاميا , وتسيطر على كل كبيرة وصغيرة في الدولة , وتحتكر المال العام والمشاريع الكبرى وحتى رخص المقاهي والمتاجر وسيارات الأجرة , وتشتري المثقفين وتسند لهم قلادات وأوسمة صمت القبور , وتصنع مجتمعا مدنيا مزيفا بالاف اليافطات واللافتات.., وتوجه الحالة الأمنية والماكينة الاعلامية , ثم تزعم بأنها حالة جماهيرية منقطعة النظير !...

مواطنونا الأكارم والأعزاء لايقلون ذكاء ودهاء عن أحزاب الأغلبية الساحقة في تخوم ديمقراطياتنا المزيفة , ولذلك انخرطت الأغلبية في جوقة الضحك على ذقون الأنظمة , من خلال احتراف مدح القادة والثناء عليهم والدعاء لهم , ومن خلال تعظيم رسالة الحزب الحاكم وتزييف التاريخ وتمجيد  بطولات الانتهازيين والوصوليين وتوصيف كل نافذ فيها بأروع الصفات...مع لعنة الظالم بالليل والدعاء عليه بالسر والضحك عليه من خلال اشاعة الملح والطرائف ..وحين يأتي الحاكم الجديد يلعن الجميع ولد سيدي الطايع والنميري والسادات ومن شاكلهم من رموز الاستبداد ...

قصة أرصدها للقارئ في أمانة , مع اقراري بوجود تجارب سياسية عربية تعتبر أكثر احتراما , حين اتخذت الملكية أو الأميرية نظاما سياسيا وأعفت الشعوب من مسرحيات كاذبة , وقسمت اللعبة في اطار البلديات ومجالس الشورى , وأعفت شعوبها أحيانا من أوجاع التصويت والانتخابات ومايسبقهما من حملات دعائية جد مكلفة...

فالناظر للتجارب السياسية في الكويت وقطر والبحرين والأردن والمملكة المغربية وتجارب خليجية أخرى , يجد أن مفهوم التداول السياسي خارج المنصب الأعلى للدولة أكثر مصداقية وموضوعية من تجارب جمهورية تحتكر الحكم والثروة منذ مايزيد عن 50 سنة , فبعض هذه التجارب تعترف بوجود أحزاب وتيارات وجمعيات وتشركها فعليا في كل استحقاق انتخابي , بل انها تتقاسم معها السلطة والثروة وتشركها في رسم السياسات الكبرى للدولة...
والنتيجة طبعا هي أن تكون الدولة وفية لشعاراتها , من خلال احترام ثلاثي : الله , الملك , الوطن..., وفي مقابل ذلك تكون الحالة الثقافية والاقتصادية والسياسية حالة ديناميكية تتجه عموما نحو النماء كلما اتضحت مسالك اللعبة لدى عموم النخب والجماهير...

وربما تكون تجارب الحالة الجمهورية العربية , قابلة للتطور من خلال صراعات مجتمعية وسياسية حادة وقاسية , والمثال هنا موريتانيا والجزائر , الذان شهدا في ظرف عشريتين أكثر من تغيير وأكثر من عملية انتخابية جادة , حيث كان اصرار الشعوب على التغيير كفيلا بدفع رأس الدولة الى تبني شعارات وقيم وسياسات ناضلت من أجلها النخب والجماهير...
كان الاعتراف بالأحزاب المحظورة وهيئات المجتمع المدني والرموز الوطنية الكبرى نتاج ضريبة مجتمعية قاسية دفعها هذان البلدان , ومن ثمة فقد أفسحت الدولة للمعارضة من حساب أحزاب ظلت حاكمة منذ مرحلة الاستقلال ...
تراجع نفوذ جبهة التحرير الوطني في الجزائر على سبيل الذكر ,وبرز التجمع الوطني الديمقراطي كوجه ثان للسلطة وبعض اجنحتها , وتأكدت قيمة جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال وحركة مجتمع السلم وحركة النهضة وحزب الاصلاح الوطني , وافتك الفعل المعارض في اصرار عفوا عاما ووئاما مدنيا , لم يقع التسليم له بسهولة لولا مخاوف انفراط عقد الدولة...
عوضت السلطات لاسلاميي جبهة الانقاذ على الصعيد المادي ووفرت لهم حماية من غلو بعض الجماعات , وتمسكت في مقابل ماقدمته من تنازلات بحظر الحزب , في مقابل وجود لافتات اسلامية عدة تنشط في كنف الدستور والقانون وقواعد السلم المدني..

أصبحت جبهة التحرير الوطني رفيقا ائتلافيا لحركة مجتمع السلم وتزوجت السلطة زواجا شرعيا استمد قوته من قوة المشروع الوطني والاسلامي بعد أن حصلت القطيعة والصدام بين المشروعين في ظل اقتراب الدولة وهياكلها سابقا من الاتحاد السوفياتي المنهار...

الحالة الموريتانية عرفت هي الأخرى شرعية السياسي المعارض , من خلال شرعيتين انقلابيتين قطعا مع عهد ولد سيدي الطايع , وبحثا عن الذات التوافقية من خلال شرعية جنرالين كانا مفاجأة موريتانية بامتياز اصلاحي وانتخابي , فبعدهما شهدت موريتانيا انتخابات الغاء الماضي بوقع الحاضر وقواه الجديدة والمستقبلية الصاعدة..., اذ كانت النتيجة تطبيع العلاقات مع القوى السياسية المتواجدة فعلا وقوة , وان أبدى البعض احتجاجه بامتياز على الغاء نتائج ديمقراطية مابين الجنرالين في عهدة أشهر شغل فيها ولد سيدي الشيخ منصب الرئيس...
وبرغم الام ابعاد ولد الشيخ , وقرب المواعيد الانتخابية زمنيا , الا أن الانقلابات في موريتانيا كانت بمثابة الروح الجديدة في الحياة السياسية , اذ عرفت الشارع بقادته السابقين واللاحقين وحطمت أصنام الجمود في قواعد لعبة أحزاب حاكمة أبدية ..

تبدو الشعوب في ثنايا المشهد العام , باحثة عن الحرية بأقل الأثمان وأبهضها أحيانا , فطعم الحرية كان مر المذاق عربيا , وحلوا أحيانا أخرى حين تتيحه الملكيات بعيدا عن أسطورة الجمهوريات , أو بين المذاقين حين تكون الشعوب مصرة على المزاوجة بين الرفاه والحرية , والنتيجة مفاجات سياسية وتداول يساهم فيه العسكر اشفاقا على الأوطان وانخراطا في استحقاقات نزع البزة العسكرية...

شعوب تبدو في طريقها الى ادراك قيم العصر السياسية والحضارية , الا أن الادراك يسير بسرعة الفجأة أو بسرعة الصدمة حين تقع الفرملة في طرق غير معبدة أو طرق ذات اتجاه وحيد...ورغم ذلك فالكل يظل باحثا عن المنقذ في قلب السلطة التقليدية أو في قلب المعارضة , فالديمقراطية باتت هامة عربيا برغم الفرملات الخارجية وبرغم وجود أحزاب حاكمة تتقن كل شيء الا أن تهدي شعوبها نسبا حقيقية معبرة عن نبض الشارع ...
أو ليس مايحدث اليوم من تنافس حاد بين ثنائية علاوي والمالكي, كشفا قيصريا عن عملية مخاض ديمقراطي كانت تعتمل داخل المجتمع وسط هالات البعث العراقي وأهازيج الانتصار في حروب فوضوية بالوكالة ...؟
ربما نكون أمام الام ومخاضات عربية أخرى قد تشهدها أقطار اليمن ومصر والسودان ...في ظل حالة احتباس ديمقراطي تمتد منذ مايناهز النصف قرن !


كتبه مرسل الكسيبي* بتاريخ 23 مارس 2010
*
كاتب واعلامي تونسي مقيم بألمانيا .


Designed by NOURAS
Managed by Wesima