يسعنا أن نعود بأفق عودة الروح الى الوطن...
ألمانيا-مرسل الكسيبي*-صحف+الوسط التونسية:
أدرك جيدا أن البعض يتخذ من ملف عودة المنفيين التونسيين رصيدا يتمعش به داخل السلطة , بل انني موقن بأن البعض يراهن على تحويل بعض المعارضين الى شوكة دامية في خصر مشروع التقاء المعارضة على أرضية مشتركة أساسها اطلاق الحريات ورفع المظالم وسن العفو التشريعي العام ...
تجددت المحاولات وتكررت من أجل ضمان عودة القناعات والمثل السياسية المغايرة على مدار السنوات الماضية , ولكن في كل مرة كانت النوايا تتأكد على الضفة الأخرى باتجاه تحقيق النزيف بدل تعافي الجسم السياسي العام وتحقيق المصالحة على أرضية عادلة...
يسر الانسان وبلاشك لعودة النوارس الى ديارها الأولى , ولكن ماذا حين تصبح النوارس طيورا مهاجرة تبحث عن الوطن كما حلمت به ؟!
نعم حلمنا جميعا بالعودة ومازلنا نحلم بتحقيقها على أرضية الاعتراف بوجود نخبة تونسية تختلف مع السلطات في قضايا الحريات الأساسية وقضايا حقوق الانسان وقضايا المواطنة , ومن ثمة امتلاكها لرؤية مغايرة عن وطن نريده للجميع دون احتكار أو احتقار أو اقصاء...
تراهن السلطة , أو لنقل جناح مناور فيها وغير مؤمن بالحرية والدمقرطة والمواطنة للجميع , على ارهاق المنفيين وابتزازهم بعوامل الزمن وتوظيف القضاء وتغير الخارطة الأسرية ..., وتعمل أطراف على تعميم ثقافة الهزيمة النفسية في لحظات تحقق التعاطف الدولي والاقليمي مع الحد المعقول والمشروع من مطالب الصف المعارض...
كان يسعنا عدنا أو لم نعد وسنعود ان شاء الله رغم منطق الابتزاز ..., أن نطالب بالتعويض لكل سجناء الرأي وأهاليهم ولكل المنفيين على أساس الرأي والموقف السياسي , وهو مافعلته معارضات عربية أخرى , وليس بعيدا عنا الموقف البطولي والرجولي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة حين عوض ماليا وماديا لمن امن بمشروع الوئام المدني والعفو العام وساهم في اشاعة الأمن والطمأنينة بعد انفراط عقدهما ...
لايزال بوسع أصحاب الحق أن يصروا على سن العفو التشريعي العام , واطلاق سراح كل سجناء الرأي والعودة العادلة والامنة لكل أبناء الوطن ممن جارت عليهم السياسة بدل عدلها...
يسعنا ان عدنا أو كنا في طريق العودة أن نجعل من العودة طريقا ثالثا نحو الحرية والديمقراطية وحق الاخر في الاختلاف ...
يسعنا أن نقول لاللابتزاز أمام المحاكم حين يكون استقلالها موضع سؤال القاضي مختار اليحياوي وشرفاء جمعية القضاة التونسيين قبل أن يجف صوت المحامين ونشطاء المجتمع المدني والمراقبين الدوليين ...
يسعنا أن نزور أوطاننا صيفا وشتاء وعلى مدار السنة , كما يسعنا مغادرتها بحرية والعودة اليها من جديد دون أن يطلب منا التبرؤ من أحزابنا وجمعياتنا وشرفاء تونس ومناضليها...
يسعنا أن نقول لا للاعتداء على المحامين والصحفيين ونشطاء المجتمع الأهلي ولا للمحاكمات الجائرة , كما يسعنا أن نطالب باعلام حر ونزيه وبفضاء سياسي ديمقراطي ومتعدد , بل يسعنا أن نطالب بالاعتراف بالأحزاب والجمعيات ونشاطها في كنف العدل والقانون ...
يسعنا أن نقول بأن تونس لكل أبنائها وبناتها مهما اختلفت مشاربهم وألوانهم وانتماءاتهم , وحين نقول ذلك بملئ أفواهنا داخل الأوطان ونمارسه دون رقيب أو وعيد أو افتعال قضايا جنائية أو أخرى مشاكلة .., فاننا فعلا قد حققنا عودتنا الحقيقية الى التراب الوطني حتى وان توزعتنا المهاجر القاسية والظروف الأسرية القاهرة وأملت علينا مواصلة مشوار الاشعاع خارج حدود الوطن ...
حين يفعل ذلك مرسل الكسيبي أو شكري الحمروني أو أحمد العش أو محمد النوري أو عبد المجيد النجار ... , دون أن يسحب منه جواز سفره أو يهدد بالقمع أو يفتح في وجهه باب القضاء المسيس على مصراعيه , وحين يفعل أولئك أو غيرهم ذلك دون تحوير في المواقع والجبهات أو اعادة توزيع لخارطة الطريق .., فان العودة تكون قد تحققت للأفكار والمشاريع والرؤى الوطنية المغايرة ..., وعندها سنترك للعالم وحده أن يتحدث عن تونس دون أن نضخ أموالا لهذه الجهة أو تلك , اذ ثمة تونس مغايرة تستحق المتابعة والرصد , انها تونس المتعددة , وتونس الثرية بمناضليها ورجالها وباختلافاتها التي تتعايش في كنف السلم المدني والاحترام المتبادل...
أما عندما تتزامن عودتي في المرة الثانية مع اعادة اعتقال د. صادق شورو ومع احالة فقراء قفصة على القضاء ومع استصدار أحكام بعشرات السنين في حق هؤلاء , وعودتي في المرة الثالثة مع الاعتداء على الشباب التلمذي والطلابي المتضامن مع أهالي غزة ..فان عودتي تصبح كسيحة معيبة بارتضاء المظالم في حق الاخرين من أبناء وطني...
وحين يعود اخوان اخرون ويتزامن ذلك مع الاعتداء على المناضل والسياسي زهير مخلوف بالضرب المبرح مع التسبب له في جروح بليغة على مستوى الأنف , ومع محاكمة الصحفي التونسي توفيق بن بريك بتهم كيدية ومع محاكمة الفاهم بوكدوس وحسن بن عبد الله والتربص القضائي بالزميل زياد الهاني ومع تواصل حالة الشلل الرعاشي في ثنايا مجتمعنا جراء وطأة القمع المتواصل , فان العودة لن تساوي في دلالاتها أكثر من زيارة الأهل والأقارب أو سياحة شخصية...
حين تكون العودة المطلوبة غضا للبصر والسمع والفؤاد عن كل مصادرات الحرية وانتهاكاتها , مع الاشادة بالمنجزات والمكتسبات والتحولات حتى السلبي منها ..., فان المقصود من العودة ونواياها .., هو مشروع تعميم الهزيمة على الجميع سجناء وأحرار ومنفيين , مع التسليم ب"معجزة هاجس" لابد أن نؤمن بها حتى وان كان العالم الحر يشهد كبرى انهياراته الاقتصادية ...ومامثال هواجس البرتغال واسبانيا ودول أخرى بعد أزمة اليونان عنا ببعيد ...
واذا كان رصيد هذه الدول من الديمقراطية والتداول والمشاركة صمام أمانها في مواجهة كبرى أزمات العالم , فان صمام أمان التونسيين هو تعايشهم السلمي وتصالحهم مع الذات وانصاف المظلومين منهم ..., ومالم يحدث ذلك فسنظل نخدع أنفسنا بالغش والوهم حتى نصطدم بفجيعة سرابهما ...
العفو التشريعي العام يرحمكم الله , واعادة الحقوق لأصحابها واخلاء السجون من سجناء الفكرة والموقف والرأي وعودة المنفيين دون قيد أو شرط , ورفع مناخات الخوف عن المجتمع التونسي هي الكفيلة بوضع تونس على ميزان الشهادات الوطنية والاقليمية والدولية الحقيقية , ومالم نفعل ذلك سيتواصل مسلسل الغش من البائع والمستهلك...
حفظ الله تونس وشعبها...
كتبه مرسل الكسيبي* بتاريخ 19 ماي 2010
*كاتب واعلامي تونسي مقيم بألمانيا : reporteur2010@yahoo.com