اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
أمن اقتصادي بثمن كسر الارادة وتكميم الأفواه !


مرسل الكسيبي*-صحف-الوسط التونسية:
حين يطرح السؤال حول أسباب استصدار قانون "الأمن الاقتصادي" , الذي يتوعد معارضين وحقوقيين واعلاميين وسياسيين تونسيين بالسجن لفترة قد تصل الى 12 سنة , فان الجواب الظاهر هو فشل الحكومة التونسية في الحصول على مرتبة الشريك المتقدم مع الاتحاد الأوروبي على اثر مفاوضات جرت في الغرض أثناء شهر ماي المنقضي ...
أطراف أوروبية بارزة طلبت من السلطات التونسية تحسين رصيدها السياسي والحقوقي ومأسسة الحكم قبل جني ثمار هذه الشراكة التي ستخول تونس امتيازات اقتصادية قد تدع السلطات في وضع مريح في ظل تقلبات الساحة الاقتصادية العالمية ...

ليس الاتحاد الأوروبي في حاجة ماسة الى معارضين تونسيين يشرحون له تفاصيل الوضع الحقوقي والاعلامي والسياسي حتى يعلم تعرجات المشهد التونسي أو تفاصيل غيره من المشاهد , فلدول الاتحاد سفارات وملاحق قنصلية وبعثات تعرف دقائق الأمور في أغلب بلاد العالم , وقد نستثني من ذلك جهلا بتفاصيل الوضع في بلد مغلق ككوريا الشمالية , أو بلاد أخرى في أقاصي الأرض لاتتمتع بأهمية الموقع الاستراتيجي...

أما تونس فهي بلد متوسطي مفتوح لايبعد عن أوروبا الا مسيرة ساعة طيران , بل ان بعض جزر ايطاليا قد لاتبعد عنه الا بمسيرة 50 ميل بحرية , وهو مايجعل البلد متموقعا في صميم السياسة الخارجية لأكثر من بلد أوروبي وغربي ...

ولو سلمنا جدلا بأن مفوضية الاتحاد الأوروبي بالعاصمة تونس لم تقم برفع تقارير أمينة عن المشهد الحقوقي والسياسي العام , فان التقاليد تفرض على البلدان الأعضاء بالاتحاد تقديم تقارير دورية عن تطورات هذا المشهد , في ظل امضاء تونس على اتفاقيات ومعاهدات دولية أبرزها اتفاقية برشلونة التي تلزم الحكومة التونسية باحترام الحريات وقواعد التمشي الديمقراطي في مقابل الاستفادة من شراكة اقتصادية تجعلها في مبادلة تجارية مفتوحة مع ثاني أكبر تكتل اقتصادي وسياسي عبر العالم ...

وعلى افتراض أن التقارير الديبلوماسية لحوالي 25 بلد أوروبي لم تكن كافية في الغرض ! , وعلى افتراض أن الديبلوماسيين الأوروبيين تحولوا الى مجرد سياح يتتنسمون العليل , وهو مايمكن اعتباره مجرد مزحة ليس أكثر .., فان ثورة الاتصالات والمعلومات كفيلة لوحدها بجعل كل بلد في العالم تحت مجهر بقية بلدان المعمورة...

وحينئذ فان الاتحاد الأوروبي أو غيره من القوى الاقتصادية أو السياسية العظمى سيكونان في غنى عن تقارير المعارضين أو شكاويهم حين يتعلق الأمر بوضع حقوق الانسان والحريات أو قضايا الشفافية ..., اذ أن ضغطة زر واحدة على محرك الغوغل أو الياهو أو نظرة على بنوك المعلومات التي تتيحها الشبكة العنكبوتية ستجعلهم أمام أدق التفاصيل في أي خارطة جغراسياسية...

وبالعودة الى الشأن التونسي , فان الحكومة التونسية تكون قد وقعت في فخ تأكيد ظهورها بمظهر مصادرة الحريات وتهديد المعارضين وتكميم أفواههم حين تصادق على قانون قمعي بدواعي حماية الأمن الاقتصادي !
فالأمن الاقتصادي تتم حمايته بالقضاء على الرشوة والفساد والمحسوبية  , وبالتصدي للاثراء الفاحش على حساب الغير من خلال سوء استخدام النفوذ والسلطة , كما تتم حماييته بالتصدي لسوء التصرف في المال العام وتبذير الثروة الوطنية في مشاريع خاسرة ...

هو أمن ضروري  نحميه من خلال اشاعة العدل في توزيع الثروة واتاحة الفرص المتكافئة في الشغل والتعليم , بل ان حمايته تمر أساسا عبر الالتزام باحترام مقتضيات المواطنة وجعل حقوق الانسان الاقتصادية والصحية والسياسية ركنا أساسيا في تعاطي مؤسسات الدولة مع مواطنيها ...

ان الأمن الاقتصادي لاتقع حمايته من خلال تشريعات تشتم منها رائحة الاستبداد والقروسطية , بل ان ممراته الأساسية ترتكز على حماية الحقوق وبسط الحريات ومأسسة الدولة وممارسة قواعد الشفافية , لتكون المواطنة معيارا يساوي بين الناس في الجهد والحاجة والبلاء ...

وحين يصبح الأمن الاقتصادي تهديدا للنخب والجماهير , ومصادرة للأقلام وكسرا للارادة وتركيعا للشعوب وفرضا للفساد واشاعة للطبقية الفاحشة وتفقيرا للبسطاء وامعانا في شخصنة الحكم وتحويله الى امتيازات بلا حسيب أو رقيب , فان الأمن الاقتصادي ومايحيط به من تشريعات زجرية سيكون مجرد فصل اخر من مسرحية سياسية هزيلة , ستكون فاشلة ولو أحاطوها بقراطيس وطلاسم تلبست بالوطنية , والوطنية حتما منها براء ! ! !

والخلاصة أن شراكة متقدمة مع التونسيين على أساس الكرامة والحرية والعدل هي أبلغ نفعا للحكم والمحكوم من شراكة متقدمة مع الاتحاد الأوروبي أو غيره من االتكتلات حين نؤسسها على أوضاع سياسية أو حقوقية هشة أو مغشوشة ... 


كتبه مرسل الكسيبي بتاريخ 20 جويلية 2010
*كاتب واعلامي تونسي مقيم بألمانيا


Designed by NOURAS
Managed by Wesima