اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
العين الثالثة على تونس "18" كفارة "دوفيل" !


مرسل الكسيبي*-صحف-الوسط التونسية:
هل نحن اليوم أمام يقظة ضمير غربي قبالة خارطة الربيع العربي , أم أنه المال الملغوم لاعادة المارد الثوري العربي الى قمقمه المشؤوم ؟
سؤال نطرحه على قادة عواصم الدول الصناعية الكبرى حين يجتمعون اليوم بمدينة دوفيل الفرنسية ..., فقبل تاريخ الرابع عشر من يناير - جانفي - 2011  كانت عواصم الدول الغنية تتجه وعلى مدار نصف قرن تزيد , الى دعم ألوان مختلفة من أنظمة الحكم الشمولي العربي...

بين الرابع عشر من يناير والسادس والعشرين من مايو 2011 , لم يتغير قادة الدول الصناعية وانما سقط رأسان عفنان من رؤوس أنظمة الحكم الجبري في بعض بلاد العرب , وامتدت بعد سقوطهما بل وأثناء ذلك شرارة الثورة الى ليبيا واليمن والبحرين وسوريا , وتفاعلت الثورة اصلاحيا مع أوضاع خاصة في الجزائر والمغرب وكادت أن تعيد خلط الأوراق بين المحافظين والاصلاحيين في ايران , بل انها أعادت الى بيكين أحلامها بالربيع المجهض في ساحة تيان آن مين !...

الحصيلة هي تغيير أهم نظامين عربيين يقودان سياسة التنسيق الأمني والعمالة الخارجية على حساب المصالح الوطنية والقومية العربية , دون أن نغفل عن بركات التحرر من الاستبداد والقهر في مساحات واسعة من ليبيا , مع ثورتين عظيمتين متجددتين واعدتين في كل من اليمن وسوريا ...

النتائج تبدو بالدليل القاطع في صالح الشعوب العربية , حتى وان حاولت بعض الأنظمة المتهاوية تلغيم طريق قطار الثورة بحروب ونزاعات مسلحة تعيق سرعة القطار ومحصلاته السلمية .., وهي في الآن نفسه انتصار انساني وعالمي على قيم القهر والاستبداد التي غادرتها بعض دول الغرب منذ القرون الوسطى , أما البقية المتبقية فقد التحقت بالحرية بعد سقوط النازية والفاشية نهاية الأربعينات من القرن الماضي , أو بعد تهاوي جدار برلين وتفكك القبضة الفولاذية للدب الروسي نهاية الثمانينات من نفس القرن ...

الربيع العربي جاء متأخرا بلاشك , فقد أوهمنا النفس بالاستقلال والحرية والانعتاق من المستعمر الأجنبي في الخمسينات من القرن الماضي , ثم مالبث أن اكتشفنا المعاني الحقيقية للاستقلال حين تخلفت حواضرنا على صعد العلم والتقانة والادارة والاقتصاد والسياسة , وتكسر الاستقلال على صخرة الاستبداد التي رهنت المنطقة للأجنبي الأقوى في كل شيء..

انطلق الربيع العربي من تونس قبل أشهر فقط , وأعاد رسم معالم الاستقلال من جديد على أرضية الكرامة والحرية , لكن القوى المعادية للثورة سرعان ماكشفت عن حجم هائل من الخراب الذي تركته على الصعيد المالي والاقتصادي , فأرقام التنمية كانت مغشوشة والخزائن العامة كانت منهوبة واخلالات الفساد كانت تحوم حول رقم الأربعين بالمائة من الميزانية العامة للدولة ...

على مدار نصف قرن من الديكتاتورية , اتجهت سياسات الدول الغربية والغنية الى ترسيخ أركان حكم الرسميات العربية , دون احساس بعمق ألم شعوب المنطقة , ولابحث غائص في تداعيات دعم أنظمة الارهاب الرسمي , فآخر مافكر فيه قادة دول الثمانية هو موضوعة الاصلاح السياسي العربي , والنتيجة هي تحول جزء هام من الخارطة العربية الى سجون ضيقة أو كبيرة تحتضن خيرة الأدمغة العربية , في ظل غض للبصر عن قضايا التعذيب أو رد للطرف عن أشواق الحرية ...

بعشرات الآلاف من مليارات الدولارات تدفق الدعم على عواصم الديكتاتورية العربية , والنتيجة المعروفة هي اغراق المنطقة في شبكات الفساد ونهب المال العام مع تركيبة كيميائية مشتعلة تستمد أوكسيدها من تعظيم الديكتاتور , فانتهى بنا الوضع الى بناء اقتصادي هش عوارضه المرضية البطالة وقوارب الموت والجريمة ومنزلقات الافلاس , أما جوهر الأزمة فهو البحث عن الارتواء من معين الديكتاتور الذي وعدنا بالاصلاح والاقلاع والتنمية المستديمة , دون أن ندرك أن الصهريج المثقوب لايمكن أن يعتمد حاوية وطنية للمياه !

هكذا هو التشخيص السليم حين نتحدث اليوم عن قمة مجموعة الثماني بمدينة دوفيل الفرنسية , فالدول الصناعية الكبرى كانت مسؤولة بدرجات عظيمة ومتقدمة عن تأخر الربيع العربي وعن حالات الافلاس الاقتصادي التي ترك عليها زعماء الاستبداد والنهب دولتين مثل تونس ومصر ...

ان التكفير عما أصابنا من ضر طيلة خمسين سنة من دعم الديكتاتوريات , لايمر الا عبر جبر ضرر مادي ومعنوي, يكون منطلقه نفس العواصم التي دعمت بن علي ومبارك ومستنسخات حكمهما في أكثر من قطر عربي ..., وهو مايعني أن التنازل عن ديون مستحقة لهذه الدول بات أمرا أكثر من ضروري , بل ان منح هبات مالية كبرى لهذه الدول , بمايضمن تعافي اقتصادياتها هو السبيل الجاد للتكفير عن كبائر دعم جلادين حكموا بالحديد والنار وأوهموا العالم بالحداثة والاعتدال , وتركوا وراءهم الانفلات الأمني والجريمة والخزائن الفارغة حين فروا  من العدالة الى شرم الشيخ أو المملكة العربية السعودية ... 

ان قادة مجموعة الثماني تطالبهم اليوم شعوب تونس ومصر وبقية الدول العربية المتضررة الى الاستثمار في الديمقراطية بكفارة "دوفيل" , ولايكون ذلك حتما باعادة اغراق خزائننا العامة بديون ثقيلة أو بديون تعاد جدولتها , لتخلف وراءها مزيدا من الخراب والمديونية , والتذيل على صعيد فقدان استقلالية القرار ...

كفارة دوفيل , تكون اعتذارا دوليا رسميا عن دعم لصوص محترفين سرقوا ونهبوا الخزائن العامة وميزانيات الدعم الدولي وزينت لهم بالمقابل أرقام التنمية في منتديات دايفوس , وغيرها من المنتديات الاقتصادية العالمية ...

كفارة دوفيل , هي اليقظة الحقيقية للضمير الغربي الرسمي , والاعتذار الواضح والصريح للشعوب المنهوبة والمعذبة على مدار نصف قرن من وأد أشواق العدالة والديمقراطية , فلولا دعم هؤلاء المستبدين لما وصلت نسب التنمية لدينا اليوم الى نسب تتراوح بين الصفر والواحد بالمائة !...

هذه هي رسالتنا الى قادة مجموعة الثماني , وعلى ساستنا الذين سيتكلمون باسمنا هذا اليوم بمدينة دوفيل الفرنسية , أن يتحدثوا صراحة عن هذه المعاني , والا ستكون عملية الدعم المالي المرتقب نافذة أخرى للالتفاف الخارجي على ماحققته الثورات العربية , فالدول التي تقع رهينة المدينوية الثقيلة قد ترهن استقلالها وسيادتها للممول ...

تلك هي حينئذ تطلعات الشارع التونسي والمصري والعربي عموما بمناسبة هذه القمة , وعلى الدول المانحة أن تكون امتدادا لضمير الشعوب بدل الاستثمار السيء في دعم الديكتاتوريات , واغراق المنطقة في الفقر والمرض والجهل والبطالة على تخوم قريبة من حدود أوروبا الجنوبية ..., لتكون النتائج وخيمة على صعيد الأمن والسياسة والاقتصاد العالمي , فالقرية الكونية اما أن تعمم الرفاه والحرية أو تجني ثمار الحيلة والمكيدة ...
وأظن أن الحيلة تكمن في ترك الحيلة , وهو مايفهمه بالتأكيد من جرب حصان الفساد والاستبداد وانتهى به الأمر الى فرار الحصان وتحوله الى بغل منبوذ ومتخلف ...!


كتبه مرسل الكسيبي* بتاريخ 26 ماي 2011
*كاتب واعلامي تونسي مقيم بألمانيا .


Designed by NOURAS
Managed by Wesima