اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
حينما يصبح المثقـّف مَنْجَمًا للاغتراب


الوسط التونسية-الناصر الهاني:
لن أخوض في الأصل الإيتيمولوجي للفظة المثقف لأن المسألة لا تحتاج إلى هذه الوسيلة . ولطالما عرّف "المثقفون" أنفسهم انطلاقا من هذه المسألة . ويتفق جلهم أو كلهم أنّ ما تبقـّى من التـّعريفات هو تعريف غرامشي وهذا لتهافت أو لعشق إيديولوجي لا يفصحون عن خباياه . والمثير للجدل برأيي في هذا العنوان الطويل المملّ لفظة " الاغتراب " وهذا المصطلح يحتاج للتـّعرية والتـّعريف . لكنـّني سأوكله لنفس الجهة طالما أن الكلّ ينسب اكتشافه كمصطلح فاعل ووازن لكارل ماركس عندما رأى هشاشة وضع العامل في مجتمع الربح والرسملة محاطا بكم هائل من المكننة التي لا تبادله وعيه بالقهر ولا تشعر معه بعدمية جهوده تجاه نفسه لأن الإنتاجية التي يوفــّرها تزيد في قهره وتفاهته وتعالي مستغليه وثرائهم . وهذا المصطلح ينم عن نوعين من هذا الصنف على الأقل في المستوى السطحي والمفهوم الصفر له :
فماهما هذان النوعان من الاغتراب ؟ وما علاقتهما بمثقف اليوم في الساحة التونسية تحديدا؟؟
يتجلى المعنيان من خلال علاقة المصطلح بالمثقف . ويفترقان في بينونة لا تلتقي . فأما النوع الأول فهو الاغتراب القسري الذي يكون المثقف ضحية له أراد أو لم يرد . وليس المثقف وحده هو المعَلـّق من كعبه في حديدة العرض لهذه الآفة بل المجتمع بأسره لظروف قاهرة وعوارض مانعة وحوادث مسطرة . وأما النوع الثاني فهو الاغتراب الاختياري والإرادي والذي يكون في الغالب من تصميم المثقف وهندسته وبوحي مما تفتقت عنه قريحته . وحتى لا يفهم الأمر على غير مقصده لا أقصد بالاغتراب الغربنة والارتماء في أحضان الغرب . فذلك هو التغريب ، وشتان بين الصنفين والمجالين . وعلى ما يبدو إن المجال الثاني رغم طرحه منذ تباشير النهضة العربية ، وانقسام الناس فيه إلى ملل ونحل ، مازالت تفاصيله مستعصية ، وفي كل يوم يزداد الغموض فيه ، ويقع في مصيدته كل يوم أفراد جدد من الرافضين والمدافعين على حد السواء.
فأما الصنف الأول من الاغتراب فيبدو أن التربة العربية برمتها تعيشه كناتج طبيعي للقهر وصعوبات الفهم والتفاهم بين الهرم وبقية الجسم المجتمعي في كل الأبعاد المرصودة اقتصاديا و اجتماعيا وثقافيا ونفسيا وسياسيا وحضاريا . لأن عقدة العلاقة مزمنة وقديمة ، وكلّما تكشف حلّها سعت جهة مّا إلى استدامة الحالة وتعويض العلاج بعاهة جديدة . وبهذا يتأبـّد الوضع، وتصبح السلامة شاذة ، وتتواصل العلائق المشبوهة كبديل طبيعي وقع التطبع به والتطبيع معه . ويستوي في هذا الأمر الكل ، فحتى رأس الهرم يجد نفسه متورطا في هذه الأحابيل . وكلما تنوّر وأراد الخروج من هذه الرّبقة أعادوه غصبا ، وزينوا له المكوث ، ورغبوا له أن يضغط على زر الزيادة في مقدار الاغتراب . وبهذا تصبح الجرعات محل تنافس . وقد تطبعت الشعوب عليه بل تشتكي نقصه . وبهذا يصبح القسري إراديا لكن دون وعي ، لأن العامة ترِد موارد أسيادها صاغرة ولا يهمّها التثبّت من صفاء المشرب ، بل يستوي الحال بين الزلال والطحالب . وهذا ما جعل ثمار زرعنا زقـّوما وصحـّر الخصب من أرضنا وجعلها بلقعا . وأما الصنف الثاني من الاغتراب فذاك الإرادي الذي تختاره النخب ، وترتضيه لمن تظن أنها أمسكت بقياده . فإن كان الأول ناتجا عن جهل وحرمان وضعف فإنه يهون ويحتاج إلى ردهة زمنية لإنارة العقول وتجاوزه . أما ما نحن بصدد تفصيل أوجهه فهو الطامة والطاعون الذي لا ترياق له ، لأنه مدبر ، ومن فعل أهل الحل والعقد كما يشار للمثقفين في زمن غير بعيد. وعندها يساق الناس إلى الحتف ، وتضيع كل الاتجاهات ، ويتوه الصائب كما الضال ، ويستويان رغم اختلاف المشارب ، ويتحد الجميع في العدم ، ولا خير يرتجى ، فالكل يتجه إلى الثقب الأسود الذي فيه تداس القيم ، وتباع المبادئ ، ويكتسب الإعصار بفضله قوته التدميرية ، وينبتّ الكل ولا من يكشف عن ضرّ غيره ، بل لا رغبة أصلا في النجاة . ولعل الحالة التونسية الراهنة تكشف صواب ما نحن بصدد بيانه . ففي لحظة المرج والهرج الناتجين عن اختلاط الصور، ودمج أوراق اللعبة كان حريا بالمثقفين أن يسوقوا الرأي العام باتجاه يجنبنا الزلل والأخطار، وينأى بنا عن التطاحن والحسابات الضيقة. لكن مثقفينا أبوا إلا أن يجعلوا من جماجمنا مناصب يعتلونها ليخطبوا خطبهم الجافة ، ويفصّلوا أجنداتهم الخاوية. رغم أنهم يعلمون أننا نئن ممن سبقهم ، وأننا سئمنا الأحمال الثقيلة الزائدة وغير النافعة . لكنهم ما استشعروا الرحمة تجاهنا ، وهاهم يوهنون كواهلنا ، فمن متسلّق يطبق مناهج العلوم على نصوص تراثيّة حوّل حياتنا إلى ورشة لتجريبيته الفاشلة . وقانوني يفصّل مقولات الفقه الدستوري المقارن ليرى إن كانت خبايا الفصول ناجحة أم فاشلة؟! وحقوقي يرغب في تبيان ما إذا كانت العدالة الانتقالية نسبية أم غير مناسبة! وفنان يجرب فينا الإخراج بعدسات الأبيض والأسود بعد أن تجاوزها زمن الإخراج . وحداثي يحدّث نفسه بترّهات السريالية والدادائية وكل صنوف التكعيبية والبرناسية ودمغات الفن الحديث ويريدنا أن نكون فاصلا صامتا في جملة المشهد الكوني ولا هو قادر على فهم ذاته ولا تفصيلنا كفاصل . وسياسيين جرّبوا كل معاطف التّزيّن والتّغّير وعندما مسكوا زمامنا تنمّروا واستأسدوا وتضخّموا حتى لم تعد ذواتهم تحتويهم . وبين هؤلاء جميعا صرنا ضحايا وأهدافا سهلة . والمصيبة أن هؤلاء على اختلاف مشاربهم وأظن أنه الآن صار مشربهم واحد يتوحدون في امتصاص دمائنا . ويتواصلون فيما بينهم تواصلا خارقا. ويغطون رقعة الشطرنج جيدا . فالسياسي يمول الفنان . والحقوقي يغطي الجريمة . والكل متناغمون ومتجانسون ومتحدون . فالكل يلبس ثوب الحداثة ، لكن كيف ؟
إنهم يلبسون ثوب الحداثة بالمقلوب . فهم في استسقاء غيث فرنسا وأمريكا. لهذا تجمعهم الآحاد والأسبات . ومن غريب المفارقات أن الحدّاثيين هؤلاء ورغم تشدّقهم بالحرية والديموقراطية لا يقبلون غير ظلالهم ويرفضون ما دون خرافاتهم وإن كان معتقد شعب ومخزونا جمعيّا فهم لا يبالون بشيء، وتجاوزوا حرب أبناء جلدتهم في الأرض لتصبح أسلحتهم بالستية تطال الربوبية وكل المقدس . فأين ما يتحدثون به من قبول الآخر وقبول الرأي المخالف . فهاهي السيدة الفاني تنفي كل مخالف وترفضه أصلا "لاربي لا سيدي ". ومادام لها رب تنفيه ألا يحق للبسطاء أن يتعبدوا ما يرونه ملجأهم وسندهم ؟! فمتى الفرج وزوال العلّة ؟ ومتى يعي المثقف أنه بإمكانه أن يأخذ بيد الناس ليوضح لهم معالم الطريق، ويعوضهم بلطفه ولينه وطول صبره عن صلف السلطان وتجبر الساسة ، ويبلسم جراح المكلومين والمظلومين والمضطهدين بفكرة مناسبة وكلمة جادة لا بمسرح الجنون وتهافت الشواذ ؟؟؟؟؟؟! فاللاجئ في الجنوب التونسي يحتاج مساعدة ومساندة نفسية تنسيه غربته وليس التعبير الجسماني ولقطات الحلفاوين وثقوب عصافير السطوح...ولهذا فالمثقف وجب أن يكون نافورة أمل لا منجما للاغتراب والغربة وقطعا لن يكون بوابة للتغريب مادام معتزا بذاته و شامخا بهويته .


الوسط التونسية بتاريخ 1 جويلية 2011

Designed by NOURAS
Managed by Wesima