تعليق هام على بيان "من أجل مزيد من التصالح"...
مواقف-مرسل الكسيبي*-
:قرأت في تمعن
البيان الصادر بتاريخ 30 ماي 2007 عن مجموعة من التونسيين المقيمين بالمنفى والذين نشط أغلبهم سابقا ضمن تيار حركة النهضة التونسية , ووددت بمناسبة اصدار هذا الموقف السياسي الذي أعلن أصحابه في صراحة : "تباينهم
مع منهجية تعاطي قيادة هذه الحركة مع قضايا جوهرية تهم جميع التونسيين أهمها موقع الإسلام في الصراع السيـاسي و الحـزبي، و قضية المساجين و عودة المغتربين" , وددت حينئذ ابداء مجموعة من الملاحظات العامة حول توقيت ومضامين البيان :
1- أسجل عدم اعتراضي على مبدأ المصالحة الوطنية العادلة والشاملة والاخذة بأسباب العدل واسترجاع الحقوق ورفع المظلمة عن شرائح واسعة من أطياف المجتمع الأهلي في تونس أو خارجها , وهو مايعني بوضوح بأن تصالح الدولة مع المجتمع بات أمرا ضروريا ومستعجلا لايحتمل التسويف أو المماطلة أو التأجيل .
2- أعتبر توقيت اصدار البيان المشار اليه توقيتا غير متناسب مع الظرف السياسي والحقوقي العام الذي تمر به تونس ,حيث أنه لابد من تأسيس مثل هذه البيانات على خطوات ايجابية تعبر من خلالها الأجهزة السياسية والأمنية عن حسن نيتها تجاه المجتمع وقواه الحية وهو مالم يحصل على مدار الأشهر الأخيرة , اذ شهدت البلاد على مدار الفترة المنقضية مجموعة من الاعتقالات والمحاكمات والخروقات والتجاوزات الخطيرة التي بدى من الواضح أنها رسالة جد سيئة في توقيت حرج كنا نأمل فيه كتونسيين وضع حد لحقبة الاعتقال والمحاكمة على خلفية سياسية كما وضع حد لتدخل الدولة في قناعات الناس الشخصية والدينية كما هو حاصل مع قضية المحجبات .
3- بدى البيان في صيغته العامة غير متوازن في النظر الى أسباب الأزمة السياسية والحقوقية في تونس ,حيث اتجه بأصابع الاتهام الى حركة النهضة التونسية ,ليعبر أصحابه في نبرة اتهامية عن رغبة في رفع المسؤولية التقصيرية والقانونية والدستورية عن صانعي القرار الرسميين :
" نؤكد من جديد أن سياسة المغالبة التي تنتهجها قيادة حركة النهضة في علاقتها مع السلطة تساهم في تمديد مأساة من تبقى من المساجين، كما أن إصرار هذه القيادة على نهج التشهير و التشكيك في أي مبادرة يعتبر هروبا من المحاسبة و تنصلا من المسؤولية و تأبيدا للاحتقان السياسي " .
ان المتأمل في هذه الفقرة المقتبسة من نص البيان ليخال الحزب الحاكم في تونس هو حركة النهضة والحزب المضطهد أو الذي يقبع مناضلوه في السجن هو التجمع الدستوري الديمقراطي , وهو مايعني بأنه كان على أصحاب البيان عدم تحميل المسؤولية في مسألة الاعتقال السياسي لغير من بيده السلطة , اذ لايعقل أن نضع الالاف من شباب وقادة الرأي في تونس في غياهب السجون أو ممارسة أشكال وحشية من التعذيب عليهم لاعتماد قيادتهم نهج المغالبة أو التشكيك أو التشهير .
ليس هناك تهمة جنائية تستحق العقاب وسلب الحرية والتنكيل عبر ممارسة التعذيب المتوحش على مستوى العالم المتحضر كله تسمى "اعتماد نهج المغالبة" , والا فانه يتوجب علينا وضع عشرات الملايين من المناضلين السياسيين في مختلف أقطار الدنيا في السجون والمعتقلات و وهو مايعد في تقديرنا سقطة كبيرة وخطأ فادحا واستراتيجيا وقع فيه المحررون والممضون على نص هذا البيان .بهذا المنطق المفتقد لحصافة العبارة واحكام التفكير قبل الصياغة يتوجب وضع كل المتظاهرين سابقا في أقطار أوربا الشرقية وجنوبي اتحاد الكونفيديرالية الروسية , وكذلك عشرات الملايين من سكان أمريكا اللاتينية المنتظمين ضمن حركات مغالبة يسارية في السجون والمعتقلات ...!!!اعتماد نهج المشاركة أو نهج المغالبة يعد أمرا مشروعا في العمل السياسي , وان كنا من أصحاب النهج الأول-أي المشاركة- عندما يكون هناك مناخ طبيعي للمساهمة في الحياة العامة وهو مانعتبره غير متوفر أصلا في المرحلة الحالية من تاريخ تونس المعاصر .4- فيما يخص التحالفات التي نسجتها حركة النهضة مع هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات , أورد أصحاب البيان المذكور الفقرة الاتية :
" إن مراهنة هذه القيادة على بعض التحالفات الوهمية مع بعض الأطراف، مهما قدمت من تنازلات، فإنها لن تكسب منها سوى مزيد من العزلة عن واقع تونس و الإنبتات عن هويتها، فمتى يدرك هؤلاء حجم المأساة التي ساهموا في تأبيدها؟ " .
تجدر الاشارة في هذا السياق بأن تحالف النهضة كتيار مع بقية مكونات الطيف السياسي ضمن اطار الهيئة المشار اليها انفا قد انبنى على أساس مبادئ ثلاثة نذكر بها :
- حرية التنظم والاجتماع
-اطلاق سراح المساجين السياسيين وسن العفو التشريعي العام
- حرية الاعلام
أما ماعدى ذلك من قضايا خلافية فلا يعتبر ملزما لأبناء حركة النهضة أو أبناء التيار الاسلامي الوسطي والمعتدل عموما , اذ أن ماسمي ببيان 8 مارس لايعتبر في تقديرنا متوجب شروط الاجماع والاستشارة الواسعة ولاسيما في ظل الظروف السياسية والأمنية الحالية التي تمر بها البلاد التونسية - أقصد بذلك انعدام شروط الحريات الأساسية التي تخول موقفا واضحا وصارما من قضايا خلافية لم تتأسس عليها أعمال هيئة 18 أكتوبر .
5- فيما يخص الفقرة الأخيرة من البيان والتي أورد فيها محرروها مايلي :
" نعتقد أن الوقت قد حان لرسم قواعد مبدئية حول موقع ديننا الحنيف في حياتنا الجماعية و الحيلولة دون توظيفه في الصّراعات الحزبية.
إن الإسلام يعتبر بمقتضى الانتماء التاريخي لبلادنا و المرجعية الدستورية لدولتنا دين الجميع و القاعدة المشتركة بين كل التونسـييـــن و بالتالي لا يحق لأي جـهة سياسية أن تحتكره أو تسعى لاحتكاره لغاية توظـيفه لفرض وصاية فكرية أو عقائدية، تشرّع بها لإدانة غيرها.
كما لا يحقّ لأي جهة أو تيّار القيام على أساس معاداة الإسلام بدعوة حرية المعتقد، المحفوظة لكل تونسي بحسب الدستور. " .
-أثمن عموما ماورد في هذه الفقرة وأعتبر أن ماجاء فيها يعبر بصدق عما يتوجب فعله في حياتنا السياسية وأعتبر أن احترام الاسلام قيما وتشريعات ثابتة متوائمة مع خصوصيات قطرنا ضمن اطار تحقيق المناط هو مما يتوجب فعله من قبل الحاكم والمحكوم , غير أنه لابأس لدي بل من المطلوب تأسيس خياراتنا السياسية والثقافية والاجتماعية على احترام مخزوننا وتوجهاتنا الحضارية ذات العمق العربي والاسلامي , وهو مايعني أنه ان الأوان لرفع عقدة النخبة الحاكمة مع الاسلام ضمن اطار الخطة الفاسدة التي حملت تسمية تجفيف الينابيع , كما أنه يعني بالمقابل ضرورة رفع الوصاية عن ظاهرة الصحوة الاسلامية وعدم احتكارها من قبل أي حزب معارض بما في ذلك طبعا وقطعا حركة النهضة التونسية .
وبخصوص الاشارة الأخيرة في البيان الى ضرورة اعادة الاعتبار الى المؤسسة الزيتونية وأهل العلم الشرعي المتخصص فذاك مما سبق لي التحبير فيه لمرات عدة وقد فصلت فيه القول والحديث من باب ايماني بضرورة وجود سلطة علمية شرعية ومرجعية اسلامية سنية يحتكم اليها في أوقات النزاع والخلاف في القضايا ذات المنزع الديني المباشر .
في الأخير
بناء على ماأوردته من ملاحظات هامة بشأن هذا البيان فانني أدعو كل المنفيين والمنفيات من أبناء التيار الاسلامي الوسطي كما أبناء حركة النهضة الى عدم الانخراط في عملية الامضاء على وثيقته وذلك على خلفية أن السلطة لم تبدي مؤشرات حقيقية جادة وصادقة تعبر من خلالها على الدخول فعلا وعملا في طور حقيقي من التطوير السياسي والاصلاح والانفتاح وفي مقدمة ذلك اطلاق سراح كل من اعتقل في محاكمات ذات صبغة سياسية ,وايقاف موجة الاعتقالات الجديدة الواقعة خارج اطار القانون ,وكذلك رفع القيود عن كل المفرج عنهم في قضايا الرأي ,مع التعبير علنا في مواقف سياسية واضحة أمام الرأي العام الوطني والدولي عن رغبة قاطعة في طي صفحة الماضي والشروع في التأسيس لحقبة سياسية اصلاحية جديدة من تاريخ تونس المعاصر .
الامضاء : مرسل الكسيبي بتاريخ 1 جوان 2007-16 جمادى الأولى 1428 هتم الانتهاء من تحرير هذا الموقف على الساعة العاشرة ونصف صباحا بتوقيت وسط أوربا .للمراسلة : reporteur2005@yahoo.de