|
أضواء على نص الخطاب الرئاسي في الذكرى العشرين للتحول
مرسل الكسيبي*- الوسط التونسية+صحف عربيةوشبكات اخبارية: مازال حديث النخبة والشارع يدوران حول موضوعات خطاب الرئيس بن علي قبل ثلاثة أيام ووعوده بترسيخ مسار الاصلاح وتعزيز الحريات واحترام حقوق الانسان وتكريس دولة القانون والمؤسسات وهو مايمكن تبينه كروح عامة طبعت نص الخطاب الرئاسي الهام الذي ألقي بمناسبة الذكرى العشرين لتولي السيد زين العابدين بن علي منصب رئيس الجمهورية التونسية . لاأريد الخوض كثيرا في تفاصيل هذا الخطاب الجميل والمدروس بدقة وعناية في أهم مفاصله وفقراته , ولاأريد الاحتراز على بعض الجزئيات التي يمكن للمعارضة أن تؤاخذ عليها في موضوعات الاستحقاق السياسي والنسب الكابحة للفوز الانتخابي على المستوى البلدي أو قل الرغبة الرئاسية في ترفيع نسبة مشاركة بعض المعارضات القريبة من الحكم بالمجالس البلدية ... تفاصيل يمكن مناقشتها من خلال ماتحمله من دلالات لن تمس الحضور القوي والمهيمن للتجمع الدستوري الديمقراطي على مقاعد البرلمان أو حتى البلديات , كما أنها لن تضيف جديدا على مشهد الاعتراف القانوني بتشكيلات حزبية أو جمعياتية توجد خارج اطار الاعتراف الحكومي الرسمي . تفاصيل الخطاب لم تلمس أيضا موضوع المعتقلين السياسيين ومأساة عوائلهم والمشهد التراجيدي الذي كرسه فصل كامل دام 16 سنة منذ تاريخ اعتقالهم في ظروف احتكاك سياسي حاد تحول الى غمامة داكنة ألقت بظلالها على المناخ التونسي العام . ودون الغرق في جزئيات هامة ومحاور سياسية يرى الكثيرون فيها ضرورات أساسية للشعب التونسي بعد مرور عشرين سنة على ازاحة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة عن السلطة , فان أهم مايلفت الانتباه في الخطاب الرئاسي هو تأكيده على اعطاء نفس جديد للتغيير وتعهده بترسيخ العدالة الاجتماعية والاقتصادية واحترام الحريات الفردية والعامة المنصص عليها في البيان الأول لتغيير السابع من نوفمبر 1987 وفي الدستور التونسي وأهم القوانين الأساسية الضامنة للحريات. أهم فقرتين وردتا في خطاب 7 نوفمبر 2007 أكدا على هذا التوجه الحقوقي والسياسي من خلال تصريح الرئيس بن علي بما يلي : "فلا مجال للإقصاء والتهميش ولا مجال لبقاء أي كان، متخلفا عن مسيرة النماء والتقدم، كما لا مجال لأن تبقى منطقة واحدة ببلادنا معزولة عن حركية التنمية في الريف كانت أو في المدينة، وفي الشمال كانت أو في الجنوب؛ فالجمهورية التونسية وحدة جغرافية متماسكة تجمع بين كل التونسيين والتونسيات في نسيج متين من التمازج والتكامل والتوافق والتآزر قل نظيره شرقا وغربا. ومن حق كل أبناء تونس وبناتها، أن يشاركوا في دعم حاضر بلادهم وبناء مستقبلها وأن ينعموا بخيراتها ويجنوا ثمار نموها وازدهارها.
إن طموحنا لتونس طموح كبير، يقوم على الوفاق دعامة للاستقرار السياسي، وعلى الحوار قاعدة للسلم الاجتماعي، في ظل دولة القانون والمؤسسات واحترام مبادئ حقوق الإنسان، وتكريس قيم الحرية والمساواة والعدالة. وسيبقى القانون الفيصل بين الجميع، فلا مجال للظلم والتجاوزات ولا مجال لاستغلال النفوذ. كما أنه لا مجال للرأي الواحد والفكر الواحد واللون الواحد، ولا مجال للاستقالة عن المشاركة لأن تونس في حاجة إلى جهود كل أبنائها وبناتها. "
هذه الاشارات أو التوجيهات الرئاسية الواضحة في موضوعات العدالة الاجتماعية والحد من التفاوت الاقتصادي وتعميم التنمية اللامركزية العادلة بين مختلف الجهات والفئات مع التنصيص الصريح على احترام التعددية السياسية والقانون والمؤسسات والحرية والتعددية ومناوئة الظلم والتجاوزات واستغلال النفوذ مع القطع مع عصر اللون الواحد والفكر الواحد والرأي الواحد ..., مثل هذه التعبيرات والمعالم السياسية والمبادئ القيمية لايمكن أن تلقى من التونسيين الا كل التأييد والترحيب والمؤازرة , وهي وان اختلفت التوجهات أو تعددت المشارب في الوسط السياسي أو الجمعوي المعارض لايمكن أن تكون أبدا محل رفض أو اعراض ...
أين تكمن المشكلة حينئذ ؟
المشكلة تبقى في تونس اليوم في تعدد جهات القرار وفي وجود أجهزة سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو ديبلوماسية خارج دائرة المحاسبة وخارج دائرة المراقبة , حيث تحصنت هذه الجهات بمواقعها الاجتماعية أو المالية أو التنفيذية من أجل التحول الى أجهزة مستقلة بذاتها داخل الدولة , وهو ماأفرز دويلات داخل الدولة وسلطات موازية لسلطة رئيس الجمهورية وسلطة الحكومة وسلطة القضاء ومن ثمة أصبح لدينا في تونس هيئات وجهات نافذة بعيدة كل البعد عن احترام القانون أو مراعاة السلم التراتبي لهيكلة التنظيم الاداري للدولة المدنية الحديثة ...
الواقع يشهد اليوم بأن الخطاب الرئاسي قد وضع أصابعه على الداء حين تحدث عن الظلم والتجاوزات واستغلال النفوذ ووعد بالقطع معها , غير أن السؤال المطروح في الساحة التونسية يبقى حول مدى سهولة ويسر محاربة هذه الظواهر التي ترسخت في فترات توظيف المواجهة السياسية والأمنية بين النظام وبعض القوى السياسية التي أساءت تقدير ماتحتمله الساحة التونسية ...
ظواهر نمت واشتد عودها على مدار عقد ونصف أو أكثر , وأصبح لأشخاصها والقائمين عليها هيكلة سرية تعمل من أجل تسويق تونس بالصورة الرديئة حقوقيا وسياسيا واعلاميا ...
ظواهر ان تمكنت المؤسسة الرئاسية من القضاء عليها عبر اعادة الأمل الى التونسيين والتونسيات في روح التغيير ومبادئه السامية الأولى , ستكون أمام ثورة جديدة وبيضاء لن تختلف كثيرا عن قيمة ماصنعته ليلة ازاحة الرئيس بورقيبة وانقاذ مصير تونس من حكم فردي رهننا لتقلبات الشيخوخة و المرض .
الجواب على هذه التحديات سيمر حتما عبر انصاف معتقلي الرأي وعوائلهم وايقاف حملات الاعتقال على خلفية الاشتباه السياسي واطلاق سراح كل من تبقى منهم وراء القضبان كما استعادة المواطن التونسي لحقه الطبيعي في جواز السفر ورفع الوصاية عن وسائل الاعلام وتوسيع الاعتراف بمكونات جديدة وحقيقية للفضاء السياسي ..., وقبل ذلك وكله جعل الدولة التونسية في خدمة المواطن بدل تحويلها الى أداة ضخمة للرقابة والحجر على الوطنيين أو المعارضين وهو مانعيشه اليوم في ظل تنامي ظاهرة استغلال النفوذ وتشعب الأجهزة التي تشق النظام الهيكلي للدولة التونسية .
مرسل الكسيبي*- 10 نوفمبر 2007
*كاتب واعلامي تونسي /رئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية : reporteur2005@yahoo.de
|
|
|
|