اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
أسبوع صدق مع الوطن : رحلة الشوق الى الديار التونسية ...


مرسل الكسيبي*-صحف وشبكات اخبارية:
تملكني الشوق الى وطني تونس ومسقط رأسي بمدينة صفاقس حتى امتلأ القلب والعقل بأشواق معانقة الأهل والأحبة بعد فراق طاول السبعة عشر سنة ...
ضاق الصدر بي قبيل انطلاق رحلة العودة بأسابيع حين عزمت مع مطلع شهر رمضان من سنة 1429 هجرية انهاء مشوار اغتراب شكل لدي أصعب امتحان مررت به منذ أن عانقت أحضان الجامعة التونسية بل منذ أن عرفت معاني الوجود والكينونة فوق تراب الجمهورية التونسية ...
لم أشك قبيل شهرين في وطنيتي ووطنية من فتح لي أبواب الوطن مشرعة حين انهال علينا البعض بكتابات حاسدة وأخرى حاقدة في رحلة تشويش قصدت اجهاض مشوار جديد أردت التأسيس له في حياتي وحياة الالاف من أبناء تونس وبناتها ...
مشوار أردت أن أقول فيه بأنه لاوصاية لأي كان من زعماء المنفى على أبناء هذا الوطن أو بناته , مشوار أردت أن أؤسس فيه لعلاقة طبيعية بين الحاكم والمحكوم بعيدا عن قصة الخوف والرعب ومشتقاتهما ...
قدم كاتب هذه السطور وبتوفيق من الله تعالى منذ خروجه علنا الى الحقل العام في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي كل مابوسعه من أجل الوصول الى واقع أفضل بعيدا عن منطق الاحتكارات الكبرى التي تعود على ممارستها كبار اللاعبين في الحقل المعارض...
اصطدمت ومن خلال هذه التجربة المرة بواقع تعثر المسار الديمقراطي داخل الفضاء المعارض , ومن ثمة أيقنت بأن اشكال الدمقرطة والاصلاح السياسي ليسا مطلبا نحتكر وجهته على سلطة قائمة وقوية وموجودة وتمارس اليات الدفاع عن الذات ثم كثير من المكاسب الوطنية وعلى رأسها الحداثة والاستقرار ...

كانت تونس في التسعينات ومابعدها أمام مخلفات معركة سياسية فاشلة اختلط فيها الدين بالمطامح الحزبية والشخصية , وهو ماأدى الى تعبئة عشرات الالاف من شباب تونس في وجهة كنا تقديرا وحكمة ووطنية وفهما سليما للاسلام الوسطي والمعتدل في غنى عنها ...
حصل ماحصل وتراجعت الحريات في تلك الحقبة على الصعيد الوطني في ظل أجواء الرعب والدموية الذان عاشهما أشقاء لنا بالقطر الجزائري ...
التأم الجراح لدى الأشقاء الجزائريين وعاد حديث السلم والوئام والعفو سيد الموقف , أما في تونس وفي الوقت الذي انتظرنا فيه من معارضتنا الموقرة المبادرة الشجاعة والتاريخية نحو نفس الاتجاه فان عقارب الزمن لدى كثير من أصحاب المصالح في هذه العاصمة الغربية أو تلك كانت تصر على البقاء في مواقعها أو ربما التحرك باتجاه الوراء ...

كان لزاما علي برغم صعوبة الموقف وبرغم كثير من العقبات التي وضعها البعض في طريقي حين كافحت بمرارة من أجل عودة الأمور الى مجاريها وتفهم مصالح الطبقة الحاكمة ومراعاتها وتثبيت تقاليد التعاون بين أبناء الوطن الواحد بعيدا عن منطق التحقير والتخوين ..., كان لزاما علي أن أواجه في شجاعة بأس التنظيمات المعارضة ومنطق بعض كواليسها المعبأة بالمؤامرات , ومن ثمة لم يكن من السهل أن أصل الى ربط علاقات أخوة وتعاون وصداقة مع اخوان وطنيين من المؤسسة الحاكمة مع الحفاظ على علاقات ايجابية مع الأطراف العقلانية بالوسط المعارض ...
شجاعة الوسط كانت تكمن في خوض التجربة والاصرار عليها مع ايمان راسخ بما للطبقة الحاكمة والحزب الحاكم وبما للرئيس بن علي قبل كل هؤلاء من ارادة سياسية وصلاحيات دستورية وخبرات كبيرة في التعاطي مع الأزمات .

وفقنا الله بعد كل هذا المخاض بالعودة قبل أكثر من أسبوع الى مسقط الرأس من بوابة مطار تونس قرطاج لنجد تونس أمام نهضة عمرانية غير مسبوقة وأمام مشاريع كبرى فتحت ورشاتها في مساحات واسعة جدا من شمال ووسط البلاد - المناطق التي قمت بزيارتها طبعا ...
مطارات حديثة جدا على النمط الأوربي , طرق سريعة تقول لك بأنك لست في بلد عالم ثالثي متخلف وانما في بلد حديث وجميل ومتألق وناهض ..., معمار لم أشاهد مثيلا له من حيث الجمال حتى في قلب أوربا , مساكن وفيلات حديثة تقف أمام روعتها شاخص الابصار , مناطق ساحلية ساحرة هيأت على شكل مرافئ ومناطق سياحية لم أر لها مثيلا في عقر الغرب ...
شارع تونسي يكذب في تدينه وعودته الى الهوية كما أصالته ماتشيعه عن تونس بعض أوساط المعارضة الغارقة في مشهد تاريخي قديم وقفت عقارب ساعته عند لحظة التسعينات ...
نسبة المحجبات في تونس تكاد تكتسح أرقام السبعين بالمائة من نسبة النساء التونسيات , ونسبة المثقفات منهن والمتعلمات تعليما عاليا قد لاتقل عن نسبة الثلث من عددهن الاجمالي ..., مساجد تمتلئ بالعباد وأذان يدعوك الى الصلاة مع وقت كل فريضة , خطبة الجمعة تستمع اليها أحيانا من بيتك من خلال مكبرات الصوت , أئمة يؤطرهم الحزب الحاكم ولكنهم يقومون بدور عظيم في ترشيد مسار تدين التونسيين والتونسيات ...
حرية التدين أصبحت أمرا مفروغا منه ولم تعد محل جدل سياسي , والمؤسسة الحاكمة تطورت وتتطور ونفوذها قوي أكثر في تونس وحضور التجمع الدستوري يكتسح كل شارع وحارة ...
عاد الزمان غير ذاك الزمان الذي نتحدث فيه عن صراع الهوية وعن عمق الانقسام الايديولوجي داخل ساحات ومراتع الطلاب ...
واقع جديد تشكل وتحولات اجتماعية بارزة , والكل يسعى الى تطوير حياته نحو الأفضل ...
سكان الجنوب نزح الكثيرون منهم نحو عاصمة الجنوب صفاقس , وأهل صفاقس زحفوا على شمال البلاد والجزء الأكبر منهم يدير كبريات المشاريع الاقتصادية التونسية ...
البلد في عهد الرئيس بن علي أصبح ورشة بناء مفتوحة والكل يحدثك عن التطور على مختلف الأصعدة .
ظواهر اجتماعية شاذة تحاول الزحف والتوسع , ولكن المؤسسة الأمنية لاتدخر وسعا في مقاومة السرقة والجريمة والرشوة والبعض من العارفين بالشأن العام يحدثك عن تعليمات حازمة وصارمة من رئيس الجمهورية التونسية السيد زين العابدين بن علي بالتصدي لهذه الظواهر واستحداث الوحدات الخاصة بذلك  .
تطورت الجريمة وتطورت مؤسسات الدولة لامحالة , وأعين الأمن تلحظها ساهرة على رصد ظواهر جلبتها العولمة أو السماوات المفتوحة ...
شارع منهمك في العمل والكفاح من أجل واقع رفاهي أو حياتي أفضل وتونسيون تأقلموا مع هذا النسق الجديد ففتح الله عليهم وأصبحوا من أعيان الملاكين ورجال الأعمال , واخرون مازالوا يبحثون عن أسرار النجاح ومحاصرة الحاجة ومصاعب الحياة ...

بلد عظيم بأهله وحكومة تشتغل من أجل نسج مراسم واقع تنموي جديد , وشعب يكد من أجل التفوق في تمدرس أبنائه وصحتهم وغذائهم ورفاههم ...
السياسية تتطور هي الأخرى وقرارات الرئيس بن علي تتوالى حين أشرفت على اختتام أول زيارة لي لوطني الأم بعد رحلة غياب دامت سبعة عشر سنة , حين علمت قبيل يومين بخبر العفو الرئاسي عن اخر من تبقى من معتقلى حزب النهضة المحظور ومعتقلي أحداث قفصة ذات الدواعي الاجتماعية ...
مئات الهواتف تهاطلت علي داخل البلاد وخارجها مهنئة بالعودة للوطن وانهاء رحلة معاناة وتهجير , وعشرات الزوار تدفقوا يوميا من أجل معانقة من أحبوا ...
انها عودة الروح الى المشاعر الانسانية , العناق والبكاء والدموع والابتسامة والضحك والفرح الذي لايوصف ...مشهد أشعرني بخجل أمام شعبي وترحاب رسمي من رجال الأمن الوطني وبعض الشخصيات السياسية ومعاملة أمنية راقية في مطار تونس ومفترقات طرقها والنقاط الفاصلة بين مدنها ...
مشهد رائع لم أشوش عليه داخل تونس بتصفح بعض مواقع المعارضة التي تحدثك عن بلد اخر ليس فيه الا الماسي والأحزان أو بمشاهدة بعض القنوات التي تخصصت في ابراز البلد بأعين حاسدة...
ختام القول في هذه المصافحة التاريخية بعد يوم واحد من عودتي الى ألمانيا قادما من تونس العاصمة , بأن تونس تشهد اليوم تقدما ونهوضا عظيما سيترسخ أكثر مع تقدم قاطرة الاصلاح السياسي وهو ماأراه مقصدا وهدفا رئيسا في الخطاب السياسي لرئيس الجمهورية التونسية وأرجح بأن تكون السنة القادمة نقطة تحول في تثبيت مفاصل مشهد تاريخي يستأهله التونسيون .

*مرسل الكسيبي/ *كاتب واعلامي تونسي مقيم بألمانيا /رئيس تحرير الوسط التونسية
حرر بتاريخ 7 نوفمبر 2008
لمراسلة الكاتب أوالاتصال به هاتفيا : reporteur2005@yahoo.de
الهاتف : 00491785466311


Designed by NOURAS
Managed by Wesima