اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
المسلمون الموريسك كجزء هام من شخصيتنا التونسية : هل من طريق نحو الاعتذار ؟


صورة تاريخية تخلد تهجير المسلمين الموريسك من اسبانيا-وصول الموريسكيين الى بعض موانئ شمال افريقيا.
مرسل الكسيبي*-الوسط التونسية+صحف:
بعد سقوط غرناطة كاخر معقل للاسلام بالأندلس بتاريخ 25 نوفمبر 1491 م  , وبعد المعاهدة التي عقدها اخر ملوك بني نصر أبو عبد الله مع الصليبيين , والتي نصت على تأمين حوالي 6 ملايين ونصف المليون مسلم موريسكي على دينهم وأموالهم وأبنائهم وحرياتهم من خلال ماأورده  في نص معاهدته مع قادة المملكة الاسبانية : «أنّ للمُرُشْ-أي الموريسكيين- أن يحتفظوا بدينهم وممتلكاتهم. وأن يخضع المرش لمحاكمة قضاتهم حسب أحكام قانونهم وليس عليهم ارتداء علامات تشير لكونهم مرش كما هو حال عباءة اليهود. وليس عليهم دفع ضرائب للملكين المسيحيين تزيد على ما كانوا يدفعونه للمرش. ولهم أن يحتفظوا بجميع أسلحتهم ماعدا ذخائر البارود. ويحترم كل مسيحي يصبح مر ولا يعامل كمرتد...وللمرش حق التصرف في تربيتهم وتربية أبنائهم." ...

بعد امضاء هذه الاتفاقية المتضمنة ل 67 بندا هاما, نكثت مملكة اسبانيا بعهودها وفتحت الباب أمام محاكم التفتيش الشهيرة , بل انها شنت بعد حوالي قرن حملة تصفوية ضد المسلمين من أصول موريسكية اسبانية , فكان أن تم حرق المئات من الموريسكيين وهم أحياء , بل تطورت الأمور الى حملة تطهير ديني وعرقي كان من نتائجها فرار مئات الالاف عبر البحر الى شمالي تونس والجزائر والمغرب  بل حتى بلاد أمريكا اللاتينية ...

شهادة تاريخية هامة :

حملة التطهير الصليبي ضد الموريسكيين انطلقت تحديدا قبل أربعة قرون , ففي سنة 1609 ميلادية , عرفت اسبانيا على عهد الملكين الاسبانيين فيليب الثاني والثالث , أوج بشاعة من بشاعات التاريخ القريب , اذ تروي الباحثة والمؤرخة بجامعة بورتوريكو الدكتورة ماريا تيريزا نرفياز تفاصيل هذا المشهد المأساوي كما يلي :

"منذ أربعة قرون خلت عرفت إسبانيا في عهديِ الملكين فيليب الثاني والثالث مسارا عسيرا للتجزئة عندما أجبرت الموريسكيين الإسبان على الطرد الجماعي نحو الأراضي الإسلامية. وحتى الأب أزنار كاردونا (Aznar Cardona) على الرغم من أنه لم يكن متعاطفا مع هذه الأقلية المهمشة، أظهر شفقة إزاء هذا المشهد الرهيب الذي كان عليه هؤلاء المهجرون والذين لفهم الغبار وأصابهم العطش وهم يتجهون في فوضى نحو الطرد، حاملين معهم بعض أغراضهم التي سُمح لهم بحملها، وهذه هي شهادته: "غادر هؤلاء البؤساء في التوقيت الذي حدده لهم الضباط الملكيون ونزحوا سيرا على الأقدام أو على أحصنتهم وقد أخذت منهم الحرارة كل مأخذ وهم يجهشون بالبكاء في مشهد امتزجت فيه أصواتهم مع شكاواهم، ومصطحبين في ذلك نساءهم وأطفالهم ومرضاهم وأقاربهم المسنين، وجميعهم يلفهم الغبار وهم يتصببون عرقا ويلهثون. وكان البعض منهم في عربات تجر أغراضهم وما يملكون من أشياء. أما بقية المهجرين فكانوا راكبين مع ما لديهم من اختراعات عجيبة من سروج وبرادع وقنب كانت مخصصة لحمل الماء، وجميعها محاطة بحاجز معدني وأكياس المؤن وقوارب الماء ومجموعة من السلال وأدباش وأقمشة من نسيج الكتان ومعاطف وأشياء أخرى من نفس هذه الأنواع. وحمل كل واحد منهم ما يقدر عليه إذ كان بعضهم يمشي على الأقدام رث الثياب منتعلا أحذية قماشية. أما البعض الآخر فوضع دثارا حول أعناقه والبعض الثالث يجر أحمالا صغيرة. وتمكن نساؤهم من حمل ما قدرن عليه من حلي ورزم أخرى والجميع يقوم بتحية من كان ينظر إليهم مرددين على أسماعهم "كان الله في عونكم ورعاكم...
...كان مشهد هؤلاء المهجرين رهيبا بلا شك فقد "أخذ منهم التعب والألم مأخذا وهم ضائعون وبائسون ومضطربون وخجلون مما حصل لهم. كانوا غاضبين وثائرين وعطشى وجائعين. إلا أن بعضهم حالفه الحظ للوصول إلى الأراضي المغاربية. وكان أحدهم، وهو صاحب المخطوطة MSS المتوافرة بمكتبة الأكاديمية الملكية بمدريد، وبقي مجهولا إلى يومنا هذا، قد نجح في أن يترك للتاريخ شهادة حية لوصوله إلى تونس حيث استقبله شخصان فتحا له ذراعيهما وكان أحدهما هو الولي الصالح سيدي أبو الغيث القشاش والذي قام بحملة واسعة في البلاد لتأمين حسن استقبال الموريسكيين. أما الشخصية الثانية التي أحسنت وفادتهم فهو الوالي عثمان داي الذي حمى هؤلاء القادمين الجدد باعتبارهم أقلية أجنبية مستقلة تتمتع بخبرة فنية واقتصادية، ووضعهم مباشرة تحت حمايته السياسية وأعفاهم من العديد من الضرائب."

تفاصيل أخرى عن الفاجعة الانسانية :

لمزيد من فهم ملابسات فاجعة تهجير المسلمين الموريسكيين خارج حدود المملكة الاسبانية, فان
الباحث المتخصص في الاستشراق الإسباني عبد الواحد العسري  يذكر مايلي : "منذ 1492 شرعت إسبانيا في تصفية كل تعدد أو تنوع عرقي وديني؛ بدءا بطرد اليهود السفرديم رغم كل محاولاتهم للبقاء، كما أنها تابعت البروتستانت في كل شبر من المملكة، لتدور الدائرة بعد ذلك على المسلمين الأندلسيين.
فبعد مرور ست سنوات من التسامح في عهد الكاردينال طليرا , الذي كان يفضل استمالة المسلمين لتنصيرهم بالحسنى، جاء الكاردينال ثيثنيروس الذي أقنع الملوك الكاثوليك أنه لا جدوى من هذا المنهج العقيم العديم الفائدة، وأن المسلمين لن يتخلوا عن دينهم إلا بمنهج الترهيب والقوة، فجاءت محاكم التفتيش لتقود أبشع عملية متابعة وتصفية عرفها التاريخ آنذاك.
وقد عملت الخطوة الأولى على تنصير مسلمي غرناطة قسرا وقهرا. في حين شكلت الخطوات التالية مرحلة لمتابعتهم والتنكيل بهم، وذلك نتيجة لأبسط الشكوك التي كان يذهب ضحيتها أُسر بأكملها، بعدما تم منع تداول اللغة العربية واللباس والعادات والطقوس...حتى المساجد لم تسلم من البطش والجبروت، لتُهدم في كثير من المناسبات فوق رؤوس المصلين. ليتذوق المورسكيون مرارة الكأس وأشد أنواع العذاب والحسرة؛ الشيء الذي دفع هؤلاء الأندلسيين إلى إعلان راية التمرد و العصيان، لتراق فيها الدماء للركب وتتطاير فيها الرقاب.
ولعل تشبث المورسكيين بدينهم وثقافتهم، كلفهم غاليا، مما دفع الكثير منهم إلى أن يختار مناطق نائية كجبال البوشرات التي عرفت أعظم ثورة في القرن XVI ما بين 1568 و 1571في عهد فيليب الثاني، بالرغم من إصرار الموريسكيين طيلة ما ينيف عن قرن على انتمائهم الثقافي، وتشبثهم بدينهم من خلال وقوفهم البطولي في وجه هذا الاجتثاث والتفافهم عليه...
وقد عمدت اسبانيا فيما بين 1609و 1614 في عهد فيليب الثالث إلى اغتصاب أرضهم، وإجلائهم عنها بصفة نهائية. لتعلن بعد ذلك اسبانيا عن فشلها الذريع؛ في ما يخص السياسة التي اعتمدتها سُلطاتها الدينية والمدنية بهدف استيعاب أحد مكونات شعبها ضمن مملكتها الثيوقراطية، وكذا إرادتها في حذف ماضيها العربي الإسلامي من تاريخها ونسيانه بل ومحوه من ذاكرتها."

تونس : مدن وقرى موريسكية وألقاب تحتفظ بمجد تليد :

وهكذا وفي ظل سياسة التهجير القسري التي فرضت على المسلمين المنحدرين من أصول اسبانية , استقبلت تونس وقبل أربعة قرون أكثر من مائة ألف مسلم موريسكي , ساهموا على عهد الدولة الحفصية وماتلاها , في نهضتها واعمارها وتطوير صناعتها وبناها التحتية كما خبراتها الفنية , بل ان الموريسكيين أسسوا حين حلولهم بشمال البلاد قرى وحواضر نذكر منها العالية , غار الملح , عوسجة , ماتلين , رأس الجبل , منزل جميل , تستور , ماطر, بنزرت , سليمان...
وقد قامت عائلات موريسكية بتعريب ألقابها عند حلولها بتونس, ولعلنا نذكر منها عائلات : الحبيب -الأندلسي- الإمام- بن حميد-النجار-الزغواني – بن الشيخ - رجب- عاشور- العريبي- الليلي- شويخ- الفقير- بن موسى- الحجام- بن حسين- الملياني- البليدي- الطبربي- بن عيسى-الداهش ...
وبجانب هذه العائلات التي تبنت ألقابا عربية نجد أخرى حافظت على أصلها الموريسكي كعائلات : قومس- شورية- وشرين- ويلو- صفرة- هريرة- شرابن-الكوكي-العوسجي-الباجي-التستوري...

ويذكر المؤرخون أن المسلمين الموريسك القادمين من الأندلس باتجاه تونس, حافظوا على لغتهم الاسبانية حوالي قرن ونصف من الزمان , بل انهم برعوا في تصميمات خاصة بمدنهم وأسواقهم ومساجدهم ومدارسهم وحماماتهم وشوارعهم , حيث مازالت مدينة العالية ومدينة تستور شاهدتين والى اليوم على هذا التفوق الهندسي والمعماري الذي شكل اضافة نخبوية حملها مهندسون وتقنيون وحرفيون من أصول اسلامية أندلسية.

هل من جهود نحو اعتذار اسباني رسمي ؟:

اذا كان اليهود يحرصون على تخليد المحرقة في ذاكرتهم الحاضرة والمعاصرة وفي الذاكرة الانسانية , ويضطرون دولا ومجتمعات الى الاعتذار , من خلال أرشفة وتوثيق أماكن وأسماء ووقائع حصولها أثناء الحرب العالمية الثانية , فان حكومات تونس والجزائر والمغرب وبعض بلاد العرب وشمال القارة الافريقية وحتى أمريكا اللاتينية مطالبة اليوم بتخليد هجرة المسلمين الموريسك وحفرها في الذاكرة العالمية من أجل عدم تكررها في التاريخ المعاصر , بل انها مطالبة بالتنسيق مع المحيط العربي والاسلامي والمتوسطي بالتحرك من أجل اقتلاع اعتذار اسباني رسمي على ماحصل للموريسكيين من محرقة وسحل وتنصير للأبناء بعد اختطافهم كما تهجير اجباري ومحاكم تفتيش قبل أربعة قرون ليس أكثر...

فهل تكون حكومات المنطقة المغاربية خاصة والدول المحتضنة للوجود الموريسكي في مستوى هذا التحدي !؟

ربما يأتي الرد يوما من أمريكا اللاتينية !!!

كتب التقرير مرسل الكسيبي* - 30 ماي 2009

*اعلامي وكاتب تونسي مقيم بألمانيا : reporteur2005@yahoo.de
-الهاتف للاتصال بالكاتب  00496112054989  

Designed by NOURAS
Managed by Wesima